بَيْنَ دِبْلُومَاسِيَّةِ “الْحِيَادِ الْإِيجَابِيِّ” وَبُرُوبَاغَانْدَا الِانْفِصَالِ: مُورِيتَانْيَا تَرْسُمُ حُدُودَهَا… لِمَاذَا سَقَطَتْ سَرْدِيَّةُ الْبُولِيسَارْيُو أَمَامَ تَصْرِيحٍ لعَقِيدٍ فِي الْجَيْشِ الْمُورِيتَانِيِّ؟

بَيْنَ دِبْلُومَاسِيَّةِ “الْحِيَادِ الْإِيجَابِيِّ” وَبُرُوبَاغَانْدَا الِانْفِصَالِ: مُورِيتَانْيَا تَرْسُمُ حُدُودَهَا… لِمَاذَا سَقَطَتْ سَرْدِيَّةُ الْبُولِيسَارْيُو أَمَامَ تَصْرِيحٍ لعَقِيدٍ فِي الْجَيْشِ الْمُورِيتَانِيِّ؟

عبدالقادر كتـــرة

في عصر السماوات المفتوحة وشبكات التواصل الاجتماعي، لم تعد الحروب تُخاض بالذخيرة الحية على الجبهات فقط، بل أصبحت “حرب السرديات” والمعلومات المضللة جزءاً لا يتجزأ من أي صراع جيوسياسي.

ولعل الضجة الأخيرة التي رافقت تداول مقطع فيديو لعقيد في الجيش الموريتاني يتحدث عن جغرافية المنطقة العسكرية الثانية لبلاده، تمثل نموذجاً حياً لهذه الحرب، وتكشف بوضوح عن الفجوة العميقة بين واقعية “الدولة” وبراغماتيتها، وبين أوهام “الحركات الانفصالية” التي تعيش على اجتزاء الحقائق.

صناعة الوهم في مواجهة لغة العقل

حاولت الآلة الإعلامية لجبهة البوليساريو، تلقف تصريح المسؤول العسكري الموريتاني، وإعادة تدويره وتأويله لتسويق “انتصار وهمي” داخل مخيمات تندوف، مروجة لادعاء مفاده أن الجيش الموريتاني يعترف بحدود “الجمهورية الصحراوية” وينفي حدوده مع المغرب. غير أن العودة إلى التسجيل الأصلي تفضح هذه البروباغندا؛ فالمسؤول الموريتاني استخدم بوضوح ودقة مصطلح “الصحراء الغربية” لوصف النطاق الجغرافي الحدودي.

هذا الاستخدام الدقيق للكلمات ليس عفوياً، بل هو تجسيد للموقف الموريتاني الثابت الذي يلتزم بالقاموس الأممي المحايد، ويتجنب الاعتراف العملي بأي كيان غير معترف به في الأمم المتحدة كدولة مستقلة.

هذا التحوير الإعلامي من قبل الجبهة يكشف عن أزمة داخلية عميقة؛ إذ تجد القيادة نفسها مضطرة لاختلاق الانتصارات لامتصاص الاحتقان المتزايد داخل المخيمات، والتغطية على الجمود الميداني وتوالي الاعترافات الدولية بمغربية الصحراء ومبادرة الحكم الذاتي.

موريتانيا: براغماتية الدولة وأولوية المصالح لفهم الموقف الموريتاني بعيداً عن التشويش، يجب النظر إلى الأفعال على الأرض لا إلى التأويلات العاطفية. تتعامل نواكشوط مع محيطها الإقليمي بعقيدة “الحياد الإيجابي” التي تضع الأمن القومي والمصالح الاقتصادية الموريتانية فوق كل اعتبار.

تُترجم هذه البراغماتية في غياب أي تمثيل دبلوماسي (سفارة أو قنصلية) للبوليساريو في نواكشوط، ومنع أي نشاط سياسي أو احتجاجي للجبهة على أراضيها.

في المقابل، تحافظ موريتانيا على علاقات استراتيجية وتجارية حيوية مع المملكة المغربية، شريانها الأبرز “معبر الكركرات”.

فلو كانت موريتانيا لا تعترف بالسيادة المغربية على ذلك المعبر الحدودي الحيوي، لما شكل هذا المنفذ الرئة الاقتصادية التي تغذي الأسواق الموريتانية وغرب إفريقيا بالبضائع والسلع يومياً.

الاستنزاف الدبلوماسي وفشل اختراق الجدار الموريتاني

تدرك الأطراف الداعمة للانفصال، وعلى رأسها الجزائر، الأهمية الجيوسياسية لموريتانيا. ومن هذا المنطلق، تبذل جهوداً حثيثة ومكلفة لاستمالة نواكشوط عبر مشاريع اقتصادية كطريق (تندوف – الزويرات).

ومع ذلك، تقرأ القيادة الموريتانية المشهد بذكاء؛ فهي ترحب بالاستثمارات الاقتصادية من جميع جيرانها، لكنها ترفض بشكل قاطع أن تكون منصة لاستهداف أمن المغرب أو الانجرار لتبني مواقف تضر بتوازنها الجيوسياسي.

المستقبل للواقعية السياسية

ما يمكن استخلاصه من هذه الزوبعة الإعلامية المفتعلة هو أن زمن الشعارات الإيديولوجية التي سادت في السبعينيات قد ولى. دول المنطقة، وفي مقدمتها موريتانيا، تبحث اليوم عن التنمية، وتأمين الحدود، والاندماج الاقتصادي.

في المقابل، تجد جبهة البوليساريو نفسها في عزلة متزايدة، تفقد عمقها الاستراتيجي، وتعتمد على تحريف التصريحات العسكرية الرسمية للبقاء في المشهد.

ومع اتساع رقعة الوعي بين المحتجزين في المخيمات بفعل انفتاح وسائل الاتصال، فإن سياسة “بيع الأوهام” تقترب من نهايتها المحتومة، لتفسح المجال أمام الحلول الواقعية والسيادية التي تضمن الأمن والازدهار لجميع شعوب المنطقة.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *