المَغْرِبُ وَقَطَرٌ.. حِينَ يُقَابَلُ سَخَاءُ “الأَوْقَاتِ الحَرِجَةِ” بِنُكْرَانِ الجَمِيلِ: حِينَ تَرُدُّ “الجَزِيرَةُ” عَلَى تَضَامُنِ المَغْرِبِ بِالتَّشْوِيهِ… حِينَ يُصْبِحُ “الشَّقِيقُ” مَصْدَراً لِـ “الشَّقِيقَةِ”..

المَغْرِبُ وَقَطَرٌ.. حِينَ يُقَابَلُ سَخَاءُ “الأَوْقَاتِ الحَرِجَةِ” بِنُكْرَانِ الجَمِيلِ: حِينَ تَرُدُّ “الجَزِيرَةُ” عَلَى تَضَامُنِ المَغْرِبِ بِالتَّشْوِيهِ… حِينَ يُصْبِحُ “الشَّقِيقُ” مَصْدَراً لِـ “الشَّقِيقَةِ”..
عبدالقادر كتـــرة

في قاموس العلاقات الدولية، تُقاس متانة التحالفات بمدى صمودها في أوقات الأزمات، وتُختبر مصداقية الدول بمواقفها حين يشتد الخناق. وفي الذاكرة السياسية العربية الحديثة، قدم المغرب درساً بليغاً في الوفاء والتضامن حين اختار الاصطفاف إلى جانب المبادئ، متجاوزاً لغة المصالح الضيقة. لكن، في مفارقة عجيبة تثير الكثير من الاستغراب، يُقابل هذا الرصيد المغربي المشرف من التضامن، بحملات إعلامية ممنهجة تقودها أذرع إعلامية تابعة لدولة قطر، وعلى رأسها قناة “الجزيرة”، في سلوك يجعل المواطن المغربي يتساءل بمرارة: هل أصبح مصطلح “البلدان الشقيقة” مجرد مرادف لـ “الشقيقة” (ألم الرأس) ومصدراً للشقاء والتشويش؟تضامن مغربي في أحلك الأوقات
لمن تخونه الذاكرة، فإن الموقف المغربي تجاه قطر لم يكن يوماً مبنياً على حسابات ظرفية. في منتصف عام 2017، وحين فُرض حصار شامل على الدوحة وقُطعت علاقاتها مع جيرانها في عز شهر رمضان، كان المغرب من الدول القليلة جداً التي كسرت ذلك الطوق. اختارت الرباط آنذاك سياسة “الحياد البناء”، ولم تكتفِ بالتصريحات، بل سيّرت طائرات محملة بالمواد الاستهلاكية والغذائية الأساسية، في التفاتة إنسانية وسياسية كبرى وتحدٍ واضح للضغوط الإقليمية.
ولم يتوقف الدعم عند هذا الحد؛ ففي عام 2022، وحين كانت قطر تواجه تحدي تنظيم بطولة كأس العالم، وضع المغرب خبرته الأمنية والاستخباراتية الرائدة عالمياً رهن إشارة الدوحة، وساهمت الأجهزة المغربية بشكل محوري وحاسم في تأمين هذا الحدث العالمي، وهو ما لقي إشادات رسمية واسعة. كان المغرب، كعادته، السند الصامت والفعال الذي لا يمنّ بعطائه.
نكران الجميل وازدواجية المعايير
في مقابل هذا الرصيد المشرق، اختارت الدوحة، عبر آلتها الإعلامية المكتوبة والمسموعة والمرئية، مساراً مغايراً تماماً.
فقد تحولت شاشاتها إلى منصات مفتوحة لاستهداف المغرب وتشويه سمعته، بل واحتضان أي خبر يسيء لصورته، حتى وإن كان زائفاً ومفبركاً.
وما يثير الريبة في هذا الاستهداف هو حجم النفاق المهني وازدواجية المعايير؛ فالقناة التي تمنع توجيه أي نقد لدول بعينها، بل وحتى لإسرائيل في كثير من السياقات، تطلق العنان للهجوم على المغرب.
والأدهى من ذلك، توظيفها لأقلام وأصوات جزائرية، سواء في الأخبار أو حتى في التعليق الرياضي، لمهاجمة الرباط. هؤلاء الذين كانوا بالأمس القريب يهاجمون النظام الحاكم في بلدهم (الجزائر) ويتبادلون الشتائم مع رموزه عبر الصحافة، تم تطويعهم اليوم وإعادتهم إلى الشاشات القطرية بوظيفة جديدة: تلميع صورة النظام العسكري الجزائري، واستغلال المنابر القطرية لتصريف أحقادهم ضد المغرب.
لماذا يزعج المغرب هذه المنابر؟
إن هذا التوجه الإعلامي العدائي ليس مجرد أخطاء تحريرية، بل هو انعكاس لـ “براغماتية إعلامية” تستخدم كأداة للضغط الجيوسياسي. إن ما يزعج هذه الأطراف هو “الاستثناء المغربي”.
المغرب الذي يرفض الانضواء تحت أي مظلة، ويبني تحالفاته الاستراتيجية باستقلالية تامة، ويؤسس لمشاريع سيادية ضخمة تغير ملامح القارة، كالمبادرة الأطلسية وخطوط الأنابيب القارية.
في عالم تعودت فيه بعض القنوات على المتاجرة بمآسي الشعوب وركوب موجات الخراب، يمثل المغرب، باستقراره وتنميته الصامتة وعقيدته الدبلوماسية الرزينة، نموذجاً لا يتماشى مع الأجندات التي تقتات على الأزمات.
ختاما، رغم هذه الإساءات المجانية التي تنبعث من غيرة وحقد غير مبررين، يظل المغرب متمسكاً بعقيدته الراسخة: دولة لا تؤذي أحداً، لا تغدر بأصدقائها، وتفضل الصمت والتجاهل ترفعاً عن الانجرار إلى مستنقع المهاترات التي لا تليق بالدول العريقة.
الرباط تدرك جيداً أن الرد الأمثل على طنين الإعلام والتشويش المفتعل لا يكون عبر الميكروفونات، بل بمواصلة العمل بصمت، تحصين الجبهة الداخلية، الدفاع عن السيادة، وبناء الاقتصاد.
فالأخبار الزائفة تموت بمجرد انتهاء البث، لكن المشاريع الكبرى والمواقف التاريخية الصادقة هي التي تُكتب بحروف من نور في سجلات التاريخ.

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *