الدِّمَاءُ فِي حَوْضِ الِاسْتِحْمَامِ وَالتَّسَتُّرُ عَلَى التَّشْرِيحِ.. شَهَادَةٌ صَادِمَةٌ تُعِيدُ فَتْحَ مِلَفِّ الْوَفَاةِ الْغَامِضَةِ لِرئيس أركان الجيش الجزائري قَايِدْ صَالِحْ: اِغْتِيَالُ “الرَّجُلِ الْقَوِيِّ” بِتَصْفِيَةٍ دَاخِلِيَّةٍ
عبدالقادر كتـــرة
في الثالث والعشرين من ديسمبر 2019، استيقظ الجزائريون على خبر زلزل المشهد السياسي في البلاد: الوفاة المفاجئة للفريق أحمد قايد صالح، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي والرجل القوي الذي أدار بـ”قبضة من حديد” مرحلة ما بعد استقالة عبد العزيز بوتفليقة.
الرواية الرسمية آنذاك كانت مقتضبة وحاسمة: “وفاة طبيعية إثر سكتة قلبية ألمّت به في منزله”. أُغلق الملف، ودُفن الجنرال في جنازة مهيبة، ومضت السلطة الجديدة في طريقها. لكن، وبعد مرور سنوات على الحادثة، تخرج شهادة من قلب الدائرة الضيقة للنظام لتنسف هذه الرواية من جذورها، وتطرح سؤالاً مرعباً: هل قُتل قايد صالح؟
شاهد من أهل الدار يكسر حاجز الصمت تأتي هذه التسريبات الصادمة على لسان توفيق بناصر، نجل اللواء الراحل العربي بناصر، المدير السابق للقضاء العسكري الجزائري.
بحكم الروابط العائلية العميقة وقربه الشديد من أبناء قايد صالح ومحيطه المباشر، يمتلك بناصر “صندوق أسرار” نادراً ما يُفتح في بلد يُحيط فيه العسكر تحركاتهم بتكتم شديد.
في مقابلة صحفية مطولة، كشف بناصر عن تفاصيل مروعة حول الساعات الأخيرة في حياة قايد صالح، واصفاً مشهداً لا يمت بصلة للموت الطبيعي.
الدماء.. ورفض التشريح الطبي
أكثر ما يثير الصدمة في شهادة بناصر هو وصفه لمسرح الوفاة داخل الإقامة العسكرية في عين النعجة. فقد أكد أنه كان من أوائل الحاضرين إثر تلقيه مكالمة فجر يوم الحادثة، مشيراً إلى وجود “آثار دماء في حوض الاستحمام”، إضافة إلى بصق الجنرال للدم قبل لفظ أنفاسه الأخيرة، وهو ما يتناقض بشدة مع الأعراض الكلاسيكية للسكتة القلبية.
لم تتوقف المفاجآت عند هذا الحد. يروي الشاهد تفاصيل التوتر الذي ساد أروقة المستشفى العسكري بين كبار الضباط. وبحسب تصريحاته، فقد طالبت مجموعة من الجنرالات — على رأسهم رئيس الأركان الحالي السعيد شنقريحة — بإجراء تشريح طبي للجثة لمعرفة سبب الوفاة.
لكن الطلب قوبل بالرفض القاطع بحجة أن “رئيس الجمهورية الجديد، عبد المجيد تبون، لم يوافق على التشريح”. هذا الرفض يطرح علامات استفهام كبرى حول الجهة التي كانت مستعجلة لدفن الحقيقة مع الجثة.
تصفية حسابات أم هندسة لانتقال السلطة؟ لفهم أبعاد هذه الشهادة، يجب العودة إلى السياق الزمني للحادثة. توفي قايد صالح بعد أربعة أيام فقط من تنصيب عبد المجيد تبون رئيساً للجمهورية. لقد كان قايد صالح مهندس تلك المرحلة؛ نجح في امتصاص غضب “الحراك الشعبي”، وأعاد ترتيب أوراق النظام، ونصّب واجهة مدنية جديدة.
لكن، في عالم السياسة الخشنة، بمجرد أن ينهي “العرّاب” مهمته ويصبح ممتلكاً لسلطة ونفوذ يفوقان كل المؤسسات، قد يتحول إلى عبء على التوازنات الداخلية.
تُلمح شهادة بناصر بوضوح إلى أن قايد صالح تعرض للعزل في أيامه الأخيرة من قبل سكرتيره الخاص “قرميط بونويرة”، الذي أصبح يتحكم في كل من يزور الجنرال.
وما يدعم فرضية “التصفية أو الانقلاب الناعم” هو ما حدث بعد الوفاة مباشرة: تم تفكيك شبكة قايد صالح بالكامل، سُجن أبناؤه، واعتُقل المقربون منه، وطورد بونويرة حتى أُعيد من تركيا ليُحكم عليه بالإعدام.
هل تُفتح القبور للبحث عن الحقيقة؟
في ختام شهادته الجريئة، رمى توفيق بناصر الكرة في ملعب العدالة الجزائرية، مطالباً رسمياً باستخراج جثة الفريق أحمد قايد صالح وإعادة تشريحها لكشف الملابسات الحقيقية لوفاته.
سواء استجابت السلطات لهذا المطلب (وهو أمر مستبعد سياسياً)، أو تم تجاهله، فإن هذه الشهادة قد أحدثت شرخاً جديداً في جدار الثقة المهتز أصلاً بين الشارع والقيادة.
لقد تحولت قصة وفاة قايد صالح من “أقدار إلهية” إلى مادة دسمة لسيناريوهات صراع الأجنحة داخل أسوار ثكنات السلطة المحصنة. الأيام وحدها كفيلة بإظهار ما إذا كانت هذه الحقائق ستُعجل بفتح ملفات أخرى، أم ستُقبر كما قُبرت جثة الجنرال في ذلك اليوم الشتوي الغامض.

