فِيلْمٌ هُولِيوُودِيٌّ جَزَائِرِيٌّ: شُبَّانٌ مُقَنَّعُونَ يَسْرِقُونَ قَارِبًا سَرِيعًا.. رِحْلَةُ الْمَوْتِ وَالْقَرْصَنَةِ: كَيْفَ تَحَوَّلَ شَبَابٌ فِي بِجَايَةَ إِلَى لُصُوصٍ لِبُلُوغِ الضَّفَّةِ الْأُخْرَى، هُرُوبًا مِنَ الْيَأْسِ؟
عبدالقادر كتـــرة
يبدو الأمر وكأنه مشهد من فيلم هوليوودي أو مسلسل إثارة، لكنه واقع مرير ومأساوي دارت أحداثه مؤخراً قبالة السواحل الخلابة لولاية بجاية.
ما بدأ كحجز اعتيادي لنزهة بحرية، انتهى بجريمة سطو مكتملة الأركان ومحاولة قتل، في سبيل حلم واحد يسيطر على عقول الكثيرين: الهروب بأي ثمن.
الفخ: نزهة بحرية تتحول إلى كابوس
في يوم صيفي هادئ، وتحت غطاء الرغبة في الاستمتاع بجمال البحر، حجز ثلاثة شبان من منطقة “توجة” قوارباً سريعاً من ميناء تالة ييلف.
كانت الأجواء توحي برحلة سياحية روتينية، لكن ما إن ابتعد القارب عن اليابسة ودخل في عرض البحر، حتى سقط القناع وتكشفت النوايا الحقيقية.
في لحظة غادرة، تحول الزبائن إلى جناة. انقض الشبان على صاحب القارب، وقاموا بالاعتداء عليه وتكبيله، قبل أن يتخذوا قراراً صادماً ينم عن برود أعصاب غير مسبوق: إلقاء الرجل المكبل في عرض البحر وتركه لمواجهة مصيره المحتوم، والاستيلاء على القارب السريع للانطلاق في رحلة “حرقة” نحو جزر البليار الإسبانية. ولحسن الحظ، تمكن الضحية بأعجوبة من فك وثاقه والسباحة نحو الشاطئ ليروي تفاصيل الرعب الذي عاشه.
مشهد سريالي: حارس الحظيرة والقرار اللحظي
بعد الاستيلاء على القارب، توجه الجناة نحو شاطئ “تيردمت” لتنفيذ الجزء الثاني من الخطة. هناك، كانوا قد خبأوا ستة دلاء من البنزين لضمان استمرار المحرك فائق السرعة للعمل طيلة فترة الرحلة التي قد تمتد إلى 12 ساعة. وفي نقطة التجمع هذه، انضم إليهم شريك مقنع، وثلاث فتيات، بينهن قاصرتان لم تتجاوزا الثامنة عشرة من العمر.
لكن الحدث الأكثر سريالية في هذه القصة، والذي يلخص حالة التخبط والاندفاع، كان موقف حارس موقف السيارات في الشاطئ. فبمجرد أن رأى الشبان المقنعين والتحضيرات المريبة، سألهم عما يفعلونه، ليأتيه الرد: “نحن ذاهبون إلى إسبانيا، هل تأتي معنا؟”.
في كسر من الثانية، ودون أي تفكير في العواقب، رمى الحارس صندوق نقوده، وتخلى عن عمله، وقفز إلى القارب بحثاً عن خلاص وهمي.
ما وراء الجريمة: صرخة يأس جماعية
بفضل يقظة المصطافين الذين لاحظوا التحركات المريبة وأبلغوا السلطات، تدخل حرس السواحل في الوقت المناسب وتم اعتراض القارب قبل خروجه من المياه الإقليمية. انتهت المغامرة بالقبض على المتورطين، لكن القصة لا تنتهي هنا.
هذه الحادثة تتجاوز كونها مجرد جريمة سطو أو محاولة هجرة غير شرعية. إنها تعكس تحولاً خطيراً في ظاهرة “الحرقة”. لم يعد الشباب يكتفون بجمع الأموال لدفعها لمهربين سريين، بل وصل بهم اليأس إلى حد ارتكاب جرائم منظمة، التخطيط المسبق، الاختطاف، وحتى الشروع في القتل لتحقيق غايتهم.
تورط فتيات قاصرات، وتخلي شاب عن مصدر رزقه في لحظة للقفز في قارب مجهول المصير، هما مؤشران بالغان على حالة من الاختناق النفسي والاجتماعي.
الأمر لم يعد مقتصراً على الفقر المادي فحسب، بل يمتد ليشمل انعدام الأفق، فقدان الثقة في المستقبل، والرغبة في الهروب من واقع يُشعر الكثير من الشباب بأنهم محاصرون فيه.
الخلاصة: متى يبدأ الحوار الحقيقي؟
إن الحادثة المروعة التي شهدتها سواحل بجاية هي جرس إنذار مدوٍ للمجتمع والسلطات على حد سواء.
المقاربة الأمنية، على أهميتها ونجاعتها في إحباط هذه العملية المحددة وإنقاذ حياة صاحب القارب، لا يمكن أن تكون الحل الوحيد لظاهرة تتجذر وتتخذ أشكالاً أكثر عنفاً وتطرفاً.
الجزائر بحاجة ماسة اليوم إلى فتح نقاش وطني صريح وشفاف حول الأسباب العميقة التي تدفع بأبنائها إلى تفضيل الموت في أعماق المتوسط، أو قضاء زهرة شبابهم خلف قضبان السجون، على البقاء في وطنهم.
فقدان هذا الجيل لا يعني فقط فقدان طاقات بشرية، بل هو استنزاف لروح المجتمع ومستقبله.

