شَهَادَةُ وَزِيرِ الدِّفَاعِ الْإِسْبَانِيِّ الْأَسْبَقِ، الْمَسْؤُولِ السَّابِقِ عَنْ أَجْهِزَةِ الِاسْتِخْبَارَاتِ: حِينَ يَنْتَصِرُ الْأَمْنُ الْقَوْمِيُّ عَلَى ضَجِيجِ السِّيَاسَةِ.. خِيَارُ الْقَطِيعَةِ مَعَ الْمَغْرِبِ انْتِحَارٌ أَمْنِيٌّ

شَهَادَةُ وَزِيرِ الدِّفَاعِ الْإِسْبَانِيِّ الْأَسْبَقِ، الْمَسْؤُولِ السَّابِقِ عَنْ أَجْهِزَةِ الِاسْتِخْبَارَاتِ: حِينَ يَنْتَصِرُ الْأَمْنُ الْقَوْمِيُّ عَلَى ضَجِيجِ السِّيَاسَةِ.. خِيَارُ الْقَطِيعَةِ مَعَ الْمَغْرِبِ انْتِحَارٌ أَمْنِيٌّ

عبدالقادر كتـــرة

لا تُبنى العلاقات الدولية المعقدة على العواطف المتقلبة أو الشعارات الانتخابية العابرة، بل تُهندس في غرف صناعة القرار بناءً على المصالح العليا والمحددات الاستراتيجية.

ولعل العلاقات المغربية-الإسبانية تمثل أحد أبرز النماذج الحية لهذه القاعدة الجيوسياسية الصارمة.

في هذا السياق، تأتي التصريحات الأخيرة لـ”خوسيه بونو”، وزير الدفاع الإسباني الأسبق والمسؤول السابق عن أجهزة الاستخبارات، لتزيل غبار المزايدات السياسية وتضع النقاط على حروف “الواقعية السياسية”.

الأمن.. الأولوية التي لا تقبل المساومة

بصيغة لا تقبل التأويل، وضع بونو إصبعه على العصب الحساس في العلاقة بين مدريد والرباط: التعاون الأمني.

كمسؤول رفيع المستوى اطلع على أسرار الدولة العميقة، لم يتردد في التأكيد على أن أجهزة الاستخبارات المغربية كانت الدرع الواقي الذي جنب إسبانيا حمامات دم محققة.

قوله بأن بلاده تمكنت من اعتقال العديد من الإرهابيين المتطرفين ومنع هجمات دموية “بفضل المملكة المغربية”، ليس مجرد مجاملة دبلوماسية، بل هو إقرار صريح بأن الأمن القومي الإسباني يبدأ فعلياً من الضفة الجنوبية لمضيق جبل طارق.

في عالم تتصاعد فيه التهديدات العابرة للحدود، تتحول شبكات الاستخبارات القوية والموثوقة إلى عملة نادرة. والمغرب، بشهادة المؤسسة العسكرية والأمنية الإسبانية، أثبت أنه شريك استراتيجي يمتلك كفاءة استخباراتية عالية، مما يجعل التعاون معه مسألة حياة أو موت بالنسبة لأوروبا بشكل عام، ولإسبانيا بشكل خاص.

“الانتحار السياسي” وحتمية الجغرافيا

لم تكن لغة “خوسيه بونو” دبلوماسية هادئة حين وجه خطابه لمعارضي هذا التقارب، بل اختار مصطلحاً صادماً ومقصوداً: “الانتحار”. اعتباره أن محاولة افتعال الأزمات مع المغرب وتجاهل الفوائد الجمة التي يجنيها الإسبان من هذا الجوار هو تصرف “انتحاري”، يحمل دلالات عميقة.

الجغرافيا لا ترحم، وإسبانيا لا تملك رفاهية نقل حدودها بعيداً عن شمال إفريقيا. هذا القرب الجغرافي يفرض تحديات مشتركة تتجاوز الإرهاب لتشمل ملفات شائكة كالهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة. وبالتالي، فإن أي محاولة من بعض التيارات السياسية الإسبانية لاستخدام ورقة المغرب في تصفية حسابات داخلية أو كسب أصوات انتخابية، هي في نظر رجال الدولة “العميقين” مغامرة طائشة تهدد استقرار البلاد.

الواقعية تتفوق على الأيديولوجيا

ما يلفت الانتباه في هذه الشهادة هو صدورها عن شخصية تنتمي إلى الحزب الاشتراكي العمالي (اليساري). تاريخياً، كانت بعض تيارات اليسار الإسباني تميل إلى تبني مواقف أيديولوجية متشنجة تجاه قضايا المنطقة. إلا أن “واقعية الحكم” ومسؤولية إدارة الدولة تجعل من رجل مثل “بونو” يتجاوز تلك الأيديولوجيات ليدافع بشراسة عن العلاقة مع الرباط. إنها رسالة واضحة للداخل الإسباني: عندما يتعلق الأمر بالمصالح العليا للوطن، يجب أن تسكت أصوات المزايدات.

خلاصة القول، قد تشهد العلاقات بين الرباط ومدريد بعض المطبات أو “الحوادث” العابرة بحكم الاحتكاك اليومي المعقد بين جارين يمثلان حدوداً بين قارتين وعالمين مختلفين. إلا أن الأساس الذي تقوم عليه هذه العلاقة – وهو الأمن المشترك، التشابك الاقتصادي، وحتمية الجوار – أصلب من أن تهزه عواصف السياسة العابرة. تصريح “خوسيه بونو” هو تذكير علني بحقيقة لطالما عُرفت في الكواليس: المغرب ليس مجرد جار لإسبانيا، بل هو شريك استراتيجي لا غنى عنه للحفاظ على أمنها واستقرارها.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *