الذَّاكِرَةُ الْمَطْعُونَةُ: هٰكَذَا رَدَّ “جِنِرَالَاتُ الْجَزَائِرِ” عَلَى تَضْحِيَاتِ الْمَغْرِبِ بِـ “عَقِيدَةِ الْجُحُودِ”… اتِّفَاقُ 1961 الْمَوْؤُودُ… هٰكَذَا تَنَكَّرَتِ النُّخْبَةُ الْعَسْكَرِيَّةُ الْجَزَائِرِيَّةُ لِعَهْدِ “فَرْحَات عَبَّاس”
عبدالقادر كتـــرة
في تاريخ الأمم والشعوب، تُبنى العلاقات الاستراتيجية على الذاكرة المشتركة وحفظ العهود، خاصة تلك التي تُكتب بالدماء في أوقات المحن. غير أن المتمعن في تاريخ العلاقات المغربية الجزائرية الحديث، يصطدم بمفارقة صارخة: تضحيات مغربية جسام من أجل تحرير الجزائر، قوبلت بـ “عقيدة جحود” ممنهجة أسس لها النظام العسكري الجزائري فور استيلائه على السلطة عام 1962.
إنها قصة تنكر غير مسبوق لوعود موثقة، واستيلاء على أراضٍ مغربية تاريخية، وتحويل ظهر الحليف الذي كان سنداً في الأمس، إلى هدف لسهام العداء اليوم.
القاعدة الخلفية ورفض المساومة
لا يمكن لأي مؤرخ موضوعي أن يتجاوز الدور المحوري الذي لعبه المغرب، مَلكاً وشعباً، في دعم ثورة التحرير الجزائرية (1954-1962). لقد تحولت المدن المغربية، وعلى رأسها وجدة والمنطقة الشرقية، إلى قواعد خلفية لجيش التحرير الوطني الجزائري، وملاذ آمن لقادته (بمن فيهم من حكموا الجزائر لاحقاً)، ومستقراً لآلاف اللاجئين.
لكن الموقف الأبرز الذي يُسجل بمداد من ذهب، هو رفض المغفور له الملك محمد الخامس لعرض فرنسي مغرٍ عام 1956، يقضي بإرجاع الأراضي المغربية التي اقتطعتها فرنسا لصالح “الجزائر الفرنسية”، مقابل تخلي المغرب عن دعم الثوار الجزائريين.
لقد فضل المغرب حينها منطق الأخوة وتأجيل حسم مسألة الحدود إلى ما بعد استقلال الجزائر، في موقف تضامني قل نظيره في التاريخ السياسي.
عهد “فرحات عباس” المطعون:
بناءً على ذلك الموقف النبيل، تم توقيع اتفاق تاريخي في 6 يوليوز 1961 بين الملك الراحل الحسن الثاني، ورئيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية آنذاك، فرحات عباس.
أقر الاتفاق صراحة بأن الحدود التي رسمتها فرنسا هي حدود استعمارية غير معترف بها، وتعهد الجانب الجزائري بحل مشكلة الحدود وإرجاع الأراضي المغربية (الصحراء الشرقية) فور نيل الاستقلال.
ومع بزوغ فجر استقلال الجزائر، انقضت النخبة العسكرية على السلطة، وأطاحت بالقيادات المدنية والتاريخية، وكان أول ضحايا هذا الانقلاب الداخلي هو “العهد” المقطوع للمغرب.
تبنى النظام العسكري الجديد مبدأ “الحدود الموروثة عن الاستعمار”، في تنكر تام للاتفاقيات الموقعة وللدم المشترك.
الصحراء الشرقية.. ميراث الاستعمار الذي احتضنه العسكر: إن إصرار النظام الجزائري على التمسك بـ “الصحراء الشرقية” (وهي شريط شاسع يضم مناطق تندوف وبشار والقنادسة وغيرها، والتي اقتطعتها فرنسا تباعاً من التراب المغربي وضمّتها لمقاطعتها الجزائرية بهدف السيطرة على مناجمها وتوسيع إمبراطوريتها)، لم يكن مجرد تنكر للتاريخ، بل كان إعلاناً صريحاً عن تبني هذا النظام للتركة الكولونيالية الفرنسية حينما تخدم مصالحه التوسعية.
لقد فضّل العسكر الجزائري أن يكون وريثاً لفرنسا الاستعمارية بدلاً من أن يكون شريكاً وجاراً وفياً للمغرب المستقل.
صناعة العدو الوهمي وتصدير الأزمات: لم يكتفِ النظام العسكري بإخلاف وعوده والاستيلاء على الصحراء الشرقية، بل أسس عقيدته السياسية والدبلوماسية بأكملها على استعداء المغرب. وبلغ هذا الجحود ذروته باحتضان وتسليح وتمويل جبهة “البوليساريو” الانفصالية، في محاولة يائسة لضرب الوحدة الترابية للمملكة في صحرائها الغربية، وإضعاف المغرب لضمان هيمنة إقليمية وهمية.
إن هذا العداء الممنهج لم يكن يوماً وليد صدفة، بل هو أداة استراتيجية يستخدمها “قصر المرادية” لتبرير قبضته الحديدية على مقدرات الشعب الجزائري، ولتصدير أزماته الداخلية الخانقة عبر اختلاق “بعبع” خارجي.
ختاما، إن التاريخ، كما كُتب في المنشورات ومقاطع الفيديو العفوية التي يتداولها الشباب اليوم، لا يرحم. الوثائق، الأرشيفات، وشهادات قادة الثورة الجزائرية الأحرار، كلها تنطق بحجم الدعم المغربي. وبينما يستمر المغرب في مد “يد ممدودة” للشعب الجزائري الشقيق استناداً إلى روابط الدين والدم والجوار، يظل النظام العسكري حبيس عقدة تاريخية، يخشى من الذاكرة الصادقة، ويواصل الهروب إلى الأمام.. لكنه نسي أن الدول التي تُبنى على الجحود ونقض العهود، تظل بنيانها هشاً مهما تكدست في مخازنها الأسلحة.
فيديو للمشاهدة
https://www.instagram.com/reel/DdOdHgoAili/?stk
n=aWM2MWZuYjFxNHo5


