بين الخطأ المسطري والصمت المؤسساتي لرئيس مجلس النواب، رئيس الحكومة أمام اختبار دستوري

بين الخطأ المسطري والصمت المؤسساتي لرئيس مجلس النواب، رئيس الحكومة أمام اختبار دستوري

بقلم 

-الدكتور مصطفى بنشريف استاذ القانون العام ومحامي بهيئة وجدة 

-الاستاذة سليمة فرجي محامية بهيئة وجدة وبرلمانية سابقة 

السيد رئيس الحكومة؛

الدستور يساءلكم، ومبادىء دولة القانون تملي عليكم تفعيل اختصاصاتكم الدستورية والعمل على إحالة قانون المحاماة إلى المحكمة الدستورية تطبيقا للفصل132 منالدستور، لاستكمال مسار الرقابة الدستورية عليه، بعد ثبوت أن إحالة رئيس مجلس النواب كانت مختلة، ويتبين بأنه لم يعمد إلى إعادة الإحالة عليها وهي صحيحة، رغم مرور عدة أيام على صدور قرار المحكمة الدستورية الذي صرح بتعذر البت في الإحالة على حالتها.

ويجب أن نذكركم ، بأن قوة المؤسسات الدستورية للدولة، لا تكمن في ألا تخطئ، وإنما في أن تمتلك شجاعة تصحيح الخطأ، وعدم الاستمرار في التزام الصمت أمام ملف يؤرق العدالة والمجتمع.

بعد قرار المحكمة الدستورية القاضي بتعذر البت في الإحالة المتعلقة بالقانون رقم 66.23 المنظم لمهنة المحاماة، لم يعد السؤال الحقيقي يتمحور حول الخلل الشكلي الذي شاب الاحالة ؟ وإنما أصبح السؤال: كيف نصحح المسار، ونضمن ألا يتحول خطأ مسطري إلى تعطيل للرقابة الدستورية والى تهديد السلم الاجتماعي والتشكيك في مصداقية المؤسسات الدستورية؟

فالمحكمة الدستورية، لم تصرح إن القانون مطابق للدستور، كما أنها لم تعلن إنه مخالف له؛ وإنما تعذر عليها الانتقال إلى ممارسة الرقابة الموضوعية بسبب عدم توفر ها ، في ملف الإحالة، على الصيغة النهائية للنص الذي استكمل مساره التشريعي.

وهنا ينبغي أن نتوقف. فالقانون رقم 66.23 استكمل مساره التشريعي داخل البرلمان، إذ صادق عليه مجلس المستشارين في القراءة الثانية بتاريخ 7 يوليوز 2026، بعد إعادته من مجلس النواب، قبل أن يحال على المحكمة الدستورية.

وإذا كان قد وقع خطأ في تحديد النص المرفق بالإحالة، فإن الخطأ المسطري لا ينبغي أن يتحول إلى نهاية لمسار الرقابة الدستورية، خصوصاً ونحن أمام قانون ينظم مهنة ترتبط مباشرة بحقوق الدفاع وحسن سير العدالة وضمانات المتقاضين.

علما، أن الثابت من الوقائع المحيطة بإحالة رئيس مجلس النواب، أنه وان كانت الاحالة مختلة اجراءيا، إلا أن الخلل قابل للإصلاح والاستدراك، عن طريق إعادة احالة القانون على المحكمة الدستورية، إلا أن الصمت المريب لرئيس مجلس النواب، يبعث برسائل ضمنية، مفادها التنكر لالتزام دستوي لا يمكن مخالفته، و الاستمرار في عدم استكمال شروط الإحالة الاختيارية يمثل شبهة عدم التعاون مع مؤسسة دستورية مكلفة بحماية الدستور إلى جانب الملك.

والمحكمة الدستورية نفسها، فصلت في سابقة بالغة الأهمية، تتصل بالرقابة الدستورية، في قرارها رقم 255/25 المتعلق بقانون المسطرة المدنية، بحيث واجهت المحكمة الدستورية وضعاً مشابهاً لحالة قانون المحاماة، فقد تضمنت رسالة رئيس مجلس النواب الإشارة إلى إحالة القانون في صيغته النهائية كما صادق عليها مجلس المستشارين، بينما أرفقت الإحالة بنسخة من مشروع القانون الذي كان قد صادق عليه مجلس النواب.

ومع ذلك، لم تعتبر المحكمة أن هذا الخلل ينهي الرقابة، بل سجلت صراحة أنها «قامت باستحضار الصيغة النهائية للقانون» كما صادق عليها مجلس المستشارين، ثم انتقلت إلى فحص قانون المسطرة المدنية دستورياً.

وهنا يحق لنا أن نتساءل:

إذا كانت المحكمة الدستورية قد استحضرت الصيغة النهائية في قانون المسطرة المدنية، فلماذا تعذر عليها ذلك في قانون المحاماة؟

قد تكون هناك اختلافات في وقائع الملفين، وهذا أمر يجب احترامه، لكن السابقة تجعل السؤال مشروعاً، ولا سيما أن الرقابة الدستورية ليست غاية شكلية في حد ذاتها، وإنما وسيلة لضمان سمو الدستور.

وإذا أخطأت جهة الإحالة… هل يترتب عن ذلك الاستمرار في تعطيل مسار الرقابة الدستورية على قانون مهنة المحاماة، واستبعاد المحكمة الدستورية من ممارسة اختصاصها، الجواب بكل تأكيد لا، بل أن المسطرة الدستورية تجيز باعادة الاحالة سواء من طرف رئيس مجلس النواب، او من طرف المخول لهم قانونا بذلك ؟

وهنا تكمن المسألة الأساسية و والاشكالية المركزية التي تلقي بظلالها على صدقية المؤسسات الدستورية للدولة؟

الفصل 132 من الدستور، لم يمنح حق الإحالة إلى رئيس مجلس النواب وحده، وإنما نص صراحة على إمكانية إحالة القوانين، قبل إصدار الأمر بتنفيذها، من طرف الملك، أو رئيس الحكومة، أو رئيس مجلس النواب، أو رئيس مجلس المستشارين، أو خُمس أعضاء مجلس النواب، أو أربعين عضواً من أعضاء مجلس المستشارين⁠.

كما أن المادة 23 من القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية، تكرس هذا التعدد في جهات الإحالة.

علما ان هذا التعدد في جهات الإحالة الاختيارية، هو ضمانة دستورية، حتى لا يصبح مصير الرقابة الدستورية رهيناً بإرادة جهة واحدة أو بخطأ إجرائي ارتكبته جهة أخرى، وتمعن الاستمرار في خطءها .

ومن هنا، فإذا كان رئيس مجلس النواب قد أخطأ في الإحالة الأولى أو الأصلية، أو إذا كان لا يرغب في إعادة الإحالة، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن الطريق الدستوري قد أغلق.

وهنا نتوجه بالسؤال إلى رئيس الحكومة،بصفته إحدى الجهات التي منحها الدستور صراحة حق إحالة القوانين على المحكمة الدستورية قبل إصدار الأمر بتنفيذها تطبيقا لاحكام الفقرة الثالثة من الفصل 132 من الدستور.

علما، وأن السيد رئيس الحكومة، قد سبق له أن دخل في حوار مع المحامين، بشأن هذا القانون، في شخص مكتب جمعية هيئات لمحامين بالمغرب ، وبالتالي فإن مسؤوليته السياسية تجاه هذا الملف، لا يمكن أن تنتهي بمجرد استكمال المسار التشريعي داخل البرلمان، بل يجب عليه أن يحرص

اليوم وبكل مسؤولية، وخاصة بعد صدور قرار المحكمة الدستورية، وبعد أن أصبح الخلل المسطري معروفاً، فإن المطلوب ليس الدخول في سجال حول المسؤوليات، ولا فتح معركة سياسية مع رئاسة مجلس النواب، رغم ترجيح تنكلها من التزامات دستورية كما يستشف من جميع وثائق الملف ومن الوقائع الناشرة للقضية.

المطلوب، من سيادة رئيس الحكومة، وبكل بساطة، هو استعمال الاختصاص الدستوري الذي منحه إياه الفصل 132.

السيد رئيس الحكومة؛

أحيلوا النص النهائي للقانون رقم 66.23 من جديد على المحكمة الدستورية، حتى تتمكن من ممارسة اختصاصها على النص النهائي الذي صادق عليه البرلمان فعلاً .

فإذا كانت هناك مقتضيات القانون مخالفة للدستور، فلتقل المحكمة كلمتها.

وإذا كانت مقتضياته مطابقة للدستور، فليطمئن الجميع إلى ذلك.

أما أن ينتهي الأمر عند خطأ في وثيقة الإحالة، دون أن تقول المحكمة الدستورية كلمتها في مضمون قانون ينظم إحدى أهم مهن العدالة، فذلك هو السيناريو الذي ينبغي تفاديه.

لسنا بصدد البحث عن من المسؤول عن تعطيل الرقابة الدستورية على قانون المحاماة، -رغم أن كل القراءن والوثائق ترجح بأن رئيس مجلس النواب هو المسؤول- لكن الغاية هو تفعيل رئيس الحكومة للمخرجات الدستورية المتاحة له بمقتضى الفصل 132 من الدستور/ الفقرة الثالثة.

و من جهة اخرى، النقاش اليوم لا ينبغي أن يتحول إلى محاكمة سياسية لرئيس مجلس النواب، ولا إلى اتهام للمحكمة الدستورية، ولا إلى تشطير للمسؤوليات بين المؤسسات.

لقد وقع ما وقع.

لكن، دولة المؤسسات، لا تتوقف عند الخطأ، وإنما تبحث عن كيفية تصحيحه داخل الإطار الدستوري.

والدستور نفسه وضع تعدد جهات الإحالة حتى لا يكون الخطأ الصادر عن جهة واحدة سبباً في تعطيل الرقابة الدستورية.

ولهذا فإن السؤال الذي نوجهه إلى رئيس الحكومة ليس سؤالاً سياسياً فحسب، وإنما هو سؤال دستوري واضح:

هل ستستعملون الاختصاص الذي منحكم إياه الفصل 132، وتحيلون قانون المحاماة من جديد على المحكمة الدستورية؟

إن المبادرة إلى ذلك لن تكون انحيازاً إلى المحامين ضد الحكومة، ولا إلى الحكومة ضد البرلمان. بل ستكون انحيازاً إلى الدستور.

الوقت ليس في صالح أحد، المسألة أكثر إلحاحاً، لأن المحامين يعيشون حالة احتقان مهني غير مسبوقة، فيما يستمر التوقف عن العمل، ويظل مستقبل قانون المهنة معلقاً. وقد كانت جمعية هيئات المحامين قد أعلنت استمرار التوقف الشامل عن العمل في انتظار مآل المسار الدستو⁠ري،

ومن غير الحكمة أن يستمر هذا الوضع بينما توجد إمكانية دستورية واضحة لإعادة تحريك إحالة القانون و استكمال مسار الرقابة الدستورية.

فالمحامون، لا يطلبون من رئيس الحكومة أن يحكم لهم، وهو أمر مستحيل، لأنه يمثل الحكومة ولا يتولى الفصل في دستورية القوانين.

ولا يطلبون منه أن يحدد للمحكمة الدستورية ماذا ينبغي أن تقرر، لأن ذلك محظور عليهم وعلى رئيس الحكومة، احتراما لمبدأ الاستقلاية.

إنهم يطلبون فقط أن يُفتح أمام المحكمة الدستورية، الباب لكي تقول كلمتها في النص النهائي.

وهذا هو جوهر دولة القانون، علما أنه إذا أخطأت جهة، فليس الحل أن نعاقب النص والرقابة والمهنة والمواطنين جميعاً بسبب الخطأ.

الحل هو تصحيح المسار.

كلمة أخيرة إلى رئيس الحكومة

سيادة رئيس الحكومة،

لقد منحكم الدستور اختصاصاً واضحاً.

واليوم، وبعد قرار المحكمة الدستورية، وبعد مرور أيام على صدوره، وبعد أن أصبح الخلل معروفاً، لم يعد السؤال: من يتحمل الخطأ؟بل أصبح:

من سيتحمل مسؤولية عدم تصحيح الخطأ؟

إن إعادة إحالة قانون المحاماة على المحكمة الدستورية، متى كانت شروط الإحالة ما تزال قائمة، وهي فعلا قائمة، ليست مناورة سياسية، ولا التفافاً على قرار المحكمة، وإنما هي استعمال لاختصاص دستوري مستقل، غايته تمكين المحكمة من ممارسة رقابتها على النص النهائي.

فلا تجعلوا خطأً في الإحالة يتحول إلى خطأ في المسار الدستوري برمته.

الكرة الآن في ملعب الحكومة.

والدستور أعطاكم الحق في القيام بهذا الدور.

فهل ستتدخلون؟

أم سنترك قانوناً ينظم مهنة من صميم منظومة العدالة معلقاً بين خطأ مسطري وصمت مؤسساتي؟

ما نريده ليس انتصار مؤسسة على أخرى، وإنما انتصار الدستور على الخطأ.

ورحم من قال : Une erreur de procédure ne doit jamais devenir une défaillance de l’institution

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *