خِطَابُ الْوَدَاعِ لِزَعِيمِ جَبْهَةِ الْبُولِيسَارْيُو وَاعْتِرَافٌ بِانْهِيَارِ وَتَبْدِيدِ حُلْمِ “الْجُمْهُورِيَّةِ الصَّحْرَاوِيَّةِ”: نِهَايَةُ الْأَوْهَامِ.. مَاذَا يَكْشِفُ “خِطَابُ الْيَأْسِ” لِزَعِيمِ الْبُولِيسَارْيُو؟
عبدالقادر كتـــرة
مقلق ويائس ومحبط له، ذلك الخطاب الذي ألقاه “أبراهيم غالي“ زعيم جبهة البوليساريو، وقد كانت المرة الأولى التي يتحدث فيها دون أن يمتدح النظام الجزائري، ودون أن يغدق عليه من الأوصاف، وهو الذي سبق له أن وعد الجزائريين في تسجيل بالصوت والصورة مسرب عن حفل مغلق، بأنه لن يخذلهم و أنه سيكون عند حسن ظنهم، لكن خطابه الأخير في الملتقى الخامس للطلبة، كان مليئا بالخيبة واليأس وكأنه تعرض للطعن من قصر المرادية، لأن الرجل في خطابه الذي سبق هذا، تحدث عن الصمود وعن تقرير المصير وعن عدم الاستسلام، لكنه اليوم وبعد تصريحات ما يسمى ب”وزير الخارجية الصحراوي“ محمد يسلم بيسط، بدا كأنه جاء ليخبر الحضور البوليساريو بأن حلول الأرض قد إنتهت، وأن الأمر متروك للصدفة والمعجزة.
وإن كان إبراهيم غالي لم يشتك بعبارات صريحة من تخلي النظام العسكري الجزائري، إلا أنه لمح في خطابه إلى أن “الشعب الصحراوي” يواجه “قوى العالم أعزل ودون أي دعم”، و وصف ما يجري بعبارة“تكالب”عالمي على “الشعب الصحراوي” وحقوقه، لكن وبمنطق الدبلوماسية الدولية وإذا كانت إسبانيا وخلفها أوروبا لم يستطيعوا الصمود في أزماتهم مع الرباط، التي تعتمد على أوراقها الأمنية وقوة حلفائها، فهل يستطيع قصر المرادية الصمود أعزلا أمام الرباط وحلفائها بعد أن تخلت عنه موسكو…؟؟؟ (مقتطف بتصرف من مقال لموقع موال للبوليساريو وعراها النظام العسكري الجزائري)
في عالم السياسة، غالباً ما تُقرأ التحولات الكبرى ليس فقط من خلال القرارات الرسمية، بل من خلال تفكيك شفرات الخطابات التي تُلقى في لحظات الأزمات.
الخطاب الأخير الذي ألقاه إبراهيم غالي، زعيم جبهة البوليساريو، أمام تجمع طلابي، لم يكن مجرد كلمة بروتوكولية روتينية، بل جاء محملاً بدلالات عميقة ترسم صورة دقيقة لانهيار أطروحة الانفصال، وتعكس حالة من اليأس غير المسبوق داخل أروقة الجبهة.
غياب “العراب” وحضور “المظلومية”
لعل الملاحظة الأبرز التي توقف عندها المحللون في هذا الخطاب، هي الغياب اللافت للإشادة المعتادة بالنظام الجزائري.
لقد اعتادت قيادة البوليساريو في كل محفل على ربط مصيرها وصمودها بالدعم المطلق لقصر المرادية. غير أن صمت إبراهيم غالي هذه المرة عن كيل المديح لداعميه، يطرح تساؤلات جوهرية: هل هي رسالة عتاب مبطنة؟ أم أنه انعكاس لبرود واقعي تفرضه المتغيرات الجيوسياسية التي أصبحت تضيق الخناق على التحركات الدبلوماسية للجزائر؟
الأكثر إثارة للانتباه هو التغير الجذري في المعجم اللغوي المستخدم. فقد توارت مصطلحات “الانتصار” و”الحتمية” التي طالما بيعت لسكان المخيمات، لتحل محلها مفردات تعكس الإحباط، مثل وصف الجبهة بأنها تواجه العالم “عزلاء” وتتعرض لـ “تكالب عالمي”.
هذا الانتقال نحو خطاب المظلومية والتشاؤم، الموجه بالأساس لجيل الشباب والطلبة، هو بمثابة اعتراف ضمني بانتهاء زمن الوعود الطوباوية، وإقرار بعجز القيادة عن تسويق الأوهام لجيل بدأ يطرح أسئلة صعبة عن مستقبله.
رياح التغيير الدولي تعصف بالانفصال
لا يمكن قراءة هذه الحالة من الانكسار بمعزل عن الدينامية الدبلوماسية الكاسحة التي يشهدها ملف الصحراء المغربية. الشعور بـ”التكالب” الذي عبر عنه غالي هو في الواقع اصطدام بحائط الشرعية الدولية والواقعية السياسية. فالجبهة تجد نفسها اليوم في شبه عزلة تامة.
أوروبياً، سقطت آخر قلاع المناورة بعد الموقفين التاريخيين لإسبانيا وفرنسا، اللتين أعلنتا دعمهما الصريح لسيادة المغرب ومبادرة الحكم الذاتي كحل وحيد وجدي وواقعي. وأفريقياً وعربياً، تحولت مدينتا العيون والداخلة إلى مركزين قنصليين يضمان عشرات التمثيليات الدبلوماسية. وحتى القوى الدولية الكبرى التي راهن عليها خصوم المغرب، مثل روسيا، اختارت نهجاً براغماتياً يعطي الأولوية لمصالحها الاقتصادية والاستراتيجية مع الرباط، بعيداً عن مغامرات الحرب الباردة.
الجزائر ومأزق الحسابات الخاطئة
أمام هذه المتغيرات، يبرز التساؤل حول مستقبل العراب الجزائري. لقد أدركت النخب وصناع القرار (حتى وإن لم يُعلن عن ذلك رسمياً) أن الدعم المفتوح لكيان غير معترف به أممياً أصبح عبئاً دبلوماسياً واقتصادياً ثقيلاً. في ظل أزمات أمنية مشتعلة على الحدود الجنوبية والشرقية، وفي مواجهة شريك مغربي يمتلك أوراقاً أمنية واقتصادية تجعله حليفاً استراتيجياً لا غنى عنه لأوروبا وأمريكا، تبدو خيارات الجزائر تضيق شيئاً فشيئاً.
نحو نهاية الطريق
إن الخطاب الأخير لقيادة البوليساريو ليس مجرد تعبير عن لحظة ضعف عابرة، بل هو “خطاب وداع” غير معلن لمرحلة كاملة. إنه يمهد الطريق لواقع جديد داخل مخيمات تندوف، حيث يدرك الشباب يوماً بعد يوم أن مستقبلهم لا يكمن في شعارات بالية أكل عليها الدهر وشرب، بل في طي صفحة النزاع المفتعل.
اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، تتأكد حقيقة واحدة في الأروقة الدولية: مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية لم تعد مجرد مقترح على طاولة المفاوضات، بل أصبحت الحقيقة السياسية الوحيدة القادرة على إنهاء هذه المأساة الإنسانية، وطي ملف الانفصال إلى الأبد.

