سُقُوطُ أَكْبَرِ شَبَكَةِ مَافْيَا جَزَائِرِيَّةٍ عَابِرَةٍ لِلْمُتَوَسِّطِ تَحْتَ رِقَابَةِ الْعَسْكَرِ بِتَوَاطُؤِ إِسْبَانٍ، تُؤَمِّنُ رِحْلَاتِ “الْمَوْتِ الْمُزْدَوِجِ”: قَوَارِبُ تَنْقُلُ الْمُخَدِّرَاتِ وَالْأَسْلِحَةَ جَنُوباً وَتَعُودُ بِالْبَشَرِ شَمَالاً…
عبدالقادر كتـــرة
العملية في أرقام : 78 معتقلاً، 18 زورقاً، 24 مليون يورو أرباح، 12 ألف يورو لكل مهاجر، وتهجير 2000 مهاجر…
في جنح الظلام، ينطلق زورق سريع مزود بأربعة محركات ضخمة من السواحل الإسبانية، لا يحمل سياحاً، بل شحنات من المخدرات الاصطناعية والأسلحة المتطورة باتجاه الشواطئ الجزائرية.
وفي رحلة العودة، لا يعود الزورق فارغاً، بل يُشحن بالعشرات من الحالمين بـ “الفردوس الأوروبي”، والذين دفعوا مدخرات أعمارهم لخوض غمار هذه الرحلة المميتة. هذا ليس مشهداً من فيلم هوليودي، بل هو واقع يومي لـ “إمبراطورية إجرامية” سقطت أخيراً في يد العدالة.
في واحدة من أكبر العمليات الأمنية والتنسيقية في حوض البحر الأبيض المتوسط، تمكنت السلطات الإسبانية، بتعاون وثيق مع الجزائر ودول أوروبية أخرى تحت مظلة “يوروبول”، من توجيه ضربة قاصمة لشبكة إجرامية دولية غير مسبوقة في حجمها ودرجة تعقيدها. أسفرت العملية عن اعتقال 78 شخصاً، ومصادرة أسطول من الزوارق السريعة تفوق قيمته 5 ملايين يورو، لتكشف التحقيقات عن تفاصيل صادمة لكيفية عمل “مافيات الجيل الجديد”.
– “التدفق المزدوج”.. عبقرية الشر الاقتصادي
ما يجعل هذه الشبكة فريدة من نوعها هو تبنيها لنموذج اقتصادي بالغ الخطورة يُعرف بـ “التدفق المزدوج” أو استراتيجية “صفر رحلات فارغة”. فبدلاً من التركيز على نشاط إجرامي واحد، حولت الشبكة زوارقها إلى خطوط شحن لوجستية سرية متكاملة.
في رحلة الذهاب من أوروبا إلى الجزائر، تُنقل المخدرات الاصطناعية (مثل حبوب الإكستاسي التي صودر منها 15 ألف حبة) بالإضافة إلى الأسلحة والمتفجرات. وفي رحلة العودة، يتم استغلال المساحة الفارغة لتحميل المهاجرين غير النظاميين نحو السواحل الإسبانية (ألمرية، مورسيا، أليكانتي).
وفقاً للتحقيقات التي انطلقت منذ عام 2023، نجحت هذه الشبكة في تنفيذ 64 رحلة بحرية، أدخلت خلالها أكثر من 2000 مهاجر. وقد بلغ ثمن “تذكرة الموت” هذه 12,000 يورو للشخص الواحد، مما درّ على العصابة أرباحاً خيالية تجاوزت 24 مليون يورو.
– تحالف المافيات: من هولندا إلى مارسيليا
لم تكن هذه الشبكة مجرد مجموعة من المهربين المحليين، بل أثبتت التحقيقات أنها كانت بمثابة “شركة لوجستية دولية” تقدم خدماتها لعصابات أخرى. فقد كانت تدر أرباحاً إضافية عبر تزويد قوارب عصابات أخرى بالوقود في عرض البحر، وهو نشاط حيوي لبقاء شريان التهريب نابضاً.
والأخطر من ذلك هو ارتباطها العضوي بمنظمات إجرامية شديدة الخطورة في أوروبا، مثل “مافيا الموكرو” (Mocro Maffia) التي تروع هولندا وبلجيكا، وعصابات مارسيليا الفرنسية. هذا التحالف حوّل الشبكة إلى ميليشيا مسلحة تعتمد نظام رقابة صارم؛ حيث وثقت التحقيقات استخدامها لأساليب وحشية شملت الاختطاف، الابتزاز، والاعتداء المسلح، ليس فقط لضبط أعضائها وقمع المهاجرين، بل لصد أي تدخل من قوات خفر السواحل بعنف مفرط.
– تكنولوجيا متطورة تفوق إمكانيات الدول
المضبوطات التي أسفرت عنها 17 عملية تفتيش في مدن إسبانية مختلفة تعكس حجم التطور التقني للعصابة؛ فقد تم حجز معدات اتصالات مشفرة، أجهزة تحديد المواقع (GPS)، وهوائيات تعمل بالأقمار الصناعية. هذا المستوى من التجهيز يثبت أن شبكات التهريب اليوم لم تعد تعتمد على بوصلة تقليدية وخبرة بحرية بسيطة، بل باتت تدير غرف عمليات متقدمة قادرة على رصد وتفادي الرادارات الأمنية.
– أكثر من مجرد أزمة هجرة
إن سقوط هذه الشبكة، ورغم كونه انتصاراً أمنياً مهماً، يدق جرس إنذار بالغ الأهمية للمجتمع الدولي. فالرسالة واضحة: أزمة قوارب الموت لم تعد مجرد مأساة إنسانية لمهاجرين يبحثون عن حياة أفضل، بل تم اختطاف هذا الملف بالكامل من قبل كارتلات الجريمة المنظمة متعددة الجنسيات.
اليوم، أصبح المهاجر في نظر هذه المافيات مجرد “بضاعة” لضمان أرباح رحلة العودة، في دورة إجرامية تدمج بين إغراق شباب شمال أفريقيا بالمخدرات الاصطناعية، وتسليح العصابات، واستنزاف أموال وأرواح الباحثين عن الأمل. ولعل التعاون الاستخباراتي الذي جمع إسبانيا والجزائر وفرنسا يثبت أن الحل الوحيد لمواجهة هذه الإمبراطوريات العابرة للحدود، يكمن في توحيد الجهود الدولية وضرب الرؤوس المدبرة، قبل أن يتحول البحر الأبيض المتوسط إلى ساحة معركة مفتوحة للكارتلات.

