واشِنْطُنُ عَلَى خَطِّ الأَزْمَةِ.. كَيْفَ أَرْبَكَ الكُونْغِرِسُ الأَمْرِيكِيُّ حِسَابَاتِ مَدْرِيدَ فِي سَبْتَةَ وَمَلِيلِيَةَ وَيَكْسِرُ “التَّابُو” الإِسْبَانِيَّ وَيَصِفُهُمَا بِـ”الأَرَاضِي المَغْرِبِيَّةِ؟

واشِنْطُنُ عَلَى خَطِّ الأَزْمَةِ.. كَيْفَ أَرْبَكَ الكُونْغِرِسُ الأَمْرِيكِيُّ حِسَابَاتِ مَدْرِيدَ فِي سَبْتَةَ وَمَلِيلِيَةَ وَيَكْسِرُ “التَّابُو” الإِسْبَانِيَّ وَيَصِفُهُمَا بِـ”الأَرَاضِي المَغْرِبِيَّةِ؟

عبدالقادر كتـــرة

أثار تقرير صادر عن لجنة الاعتمادات بمجلس النواب الأمريكي جدلا واسعا في الأوساط السياسية والإعلامية، بعدما تضمن لأول مرة داخل وثيقة برلمانية أمريكية، توصيف مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين “أراضي مغربية”، في تطور يأتي بالتزامن مع تصاعد النقاش حول أزمة الهجرة الأخيرة التي شهدتها مدينة سبتة.

جاء هذا الموقف ضمن التقرير رقم 119-631 المرافق لمشروع قانون المالية الأمريكي لسنة 2027 الخاص بالأمن القومي ووزارة الخارجية والبرامج المرتبطة بها، والذي صادق عليه مجلس النواب الأمريكي في 15 يوليوز الماضي بأغلبية 217 صوتاً مقابل 209.

في تطور لافت قد يعيد رسم الخرائط السياسية في حوض البحر الأبيض المتوسط، ألقى الكونغرس الأمريكي بحجر ثقيل في المياه الراكدة للعلاقات المغربية – الإسبانية. لأول مرة في تاريخ الوثائق التشريعية الأمريكية، تضمن تقرير رسمي صادر عن لجنة الاعتمادات بمجلس النواب توصيفاً صريحاً لمدينتي سبتة ومليلية بكونهما “تقعان في الأراضي المغربية”، ليفتح بذلك باباً جديداً للنقاش حول مستقبل آخر المعاقل الأوروبية في إفريقيا.

هذا التطور، الذي جاء ضمن التقرير رقم 119-631 المرافق لمشروع قانون الميزانية الأمريكية لعام 2027، لم يكن مجرد زلة قلم أو صياغة عابرة، بل يبدو كرسالة سياسية مدروسة تتزامن مع تصاعد أزمات الهجرة وتعقيدات الأمن الإقليمي في مضيق جبل طارق. فما الذي يعنيه هذا التحول الأمريكي؟ وكيف سيؤثر على توازنات المنطقة؟

لغة جديدة تكسر “الستاتيكو”(الوضع الراهن او القائم)

لعل أبرز ما يلفت الانتباه في الوثيقة الأمريكية هو الدقة في اختيار المصطلحات. التقرير لم يكتفِ بنزع صفة السيادة المطلقة عن مدريد حين وصف المدينتين بأنهما “خاضعتان للإدارة الإسبانية”، بل ذهب أبعد من ذلك بتأكيده الجغرافي والسياسي على أنهما “تقعان في الأراضي المغربية وتظلان موضوع مطالبة مغربية طويلة الأمد”.

هذا التوصيف يضرب في صميم السردية الإسبانية الرسمية التي تعتبر المدينتين جزءاً لا يتجزأ من ترابها الوطني وتصنفهما كمدينتين تتمتعان بحكم ذاتي. والأخطر بالنسبة لمدريد، هو أن التقرير حثّ وزارة الخارجية الأمريكية صراحة على “تشجيع الانخراط الدبلوماسي بين المغرب وإسبانيا حول الوضع المستقبلي لسبتة ومليلية”. بعبارة أخرى، واشنطن التشريعية تقول إن الوضع الحالي للمدينتين ليس نهائياً، وإنه قابل للتفاوض.

المغرب يقطف ثمار الشراكة الاستراتيجية

من الزاوية المغربية، يُقرأ هذا التطور كانتصار دبلوماسي جديد ينضاف إلى سلسلة من المكاسب التي حققتها الرباط في السنوات الأخيرة، وعلى رأسها الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية في أواخر عام 2020.

الوثيقة الأمريكية ربطت هذا الموقف بالتذكير بالتحالف التاريخي الذي يجمع واشنطن بالرباط منذ معاهدة الصداقة لعام 1786، وأرفقته بتخصيص مساعدات أمنية وعسكرية لدعم المصالح القومية المشتركة. هذا يثبت أن صانع القرار الأمريكي بات ينظر إلى المغرب ليس فقط كحليف تقليدي، بل كشريك استراتيجي لا غنى عنه لضمان استقرار وازدهار شمال إفريقيا والواجهة الأطلسية، وهو مستعد لدعم مطالبه الجيوسياسية ولو على حساب الإحراج الدبلوماسي لحليف أوروبي بحجم إسبانيا.

إسبانيا أمام امتحان صعب

لا شك أن هذه الوثيقة قد أحدثت ارتباكاً في أروقة صنع القرار في مدريد. فرغم أن التقرير صادر عن لجنة برلمانية ولا يمثل (حتى الآن) قراراً تنفيذياً رسمياً من البيت الأبيض، إلا أنه يشكل ورقة ضغط هائلة ومؤشراً على تنامي النفوذ الدبلوماسي المغربي داخل دوائر الكونغرس الأمريكي.

إسبانيا تجد نفسها اليوم في موقف حرج؛ فمن جهة، هي تعول على المغرب كشريك أساسي وحيوي في مكافحة الهجرة غير النظامية والإرهاب، ومن جهة أخرى، تواجه ضغطاً داخلياً للحفاظ على سيادتها على المدينتين في ظل تنامي تيارات اليمين المتطرف.

التلويح الأمريكي بـ “التفاوض حول الوضع المستقبلي” قد يدفع الدبلوماسية الإسبانية إما إلى التحرك بهدوء في واشنطن لمحاولة احتواء هذا التوجه قبل أن يتحول إلى سياسة خارجية رسمية، أو إلى مراجعة شاملة لطريقة إدارتها لهذا الملف الشائك مع جارتها الجنوبية.

نحو واقع إقليمي جديد

في ظل التدفقات غير المسبوقة للمهاجرين والضغط المتزايد على الأسوار الحدودية لسبتة ومليلية المغربيتين المحتلتين، تدرك القوى الكبرى أن الحلول الأمنية والأسوار الشائكة لم تعد كافية. الموقف الأمريكي الأخير يشير إلى قناعة تتشكل في الكواليس بأن الاستقرار المستدام في المنطقة يتطلب معالجة جذور الخلافات الترابية وتصفية تركات الماضي الكولونيالي.

اليوم، رمى الكونغرس الأمريكي الكرة في ملعب الدبلوماسية. وإذا ما استمر هذا الزخم، فإن مدينتي سبتة ومليلية قد لا تبقيان مجرد نقطتي عبور ملتهبتين للمهاجرين، بل قد تتحولان قريباً إلى طاولة مفاوضات تاريخية تعيد رسم ملامح السيادة والشراكة بين ضفتي المتوسط.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *