نِهَايَةُ الْمَطَافِ لِزَعِيمِ “دِي زِدْ مَافْيَا”: كَيْفَ تَحَوَّلَتِ الْجَزَائِرُ إِلَى الْفَخِّ الأَخِيرِ لِلْمَافْيُوزِيِّ الْجَزَائِرِيِّ “مَهْدِي لَعْرِيبِي” أَخْطَرِ الْمَطْلُوبِينَ فِي فَرَنْسَا؟
عبدالقادر كتـــرة
في ضربة أمنية قاصمة لشبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، طوت السلطات الأمنية صفحة واحد من أخطر المطلوبين في أوروبا. المافيوزي الجزائري “مهدي لعريبي”، العقل المدبر والمؤسس لشبكة “دي زد مافيا” (DZ Mafia) سيئة السمعة، سقط أخيراً في قبضة الأمن الجزائري بعد سنوات من التخفي.
هذا الاعتقال لا يمثل فقط انتصاراً أمنياً، بل يفتح الباب أمام فصل جديد من التعاون القضائي المعقد بين باريس والجزائر.
من أحياء مرسيليا إلى زعامة الجريمة المنظمة
لم تكن رحلة مهدي لعريبي (36 عاماً)، الملقب بـ “تيك”، نحو عالم الجريمة وليدة اللحظة. انطلقت شرارة هذه المنظمة من الدائرة الخامسة عشرة في مدينة مرسيليا الفرنسية، حيث أسس لعريبي مع شقيقه “لمين” هيكلاً إجرامياً معقداً للسيطرة على تجارة المخدرات.
تحولت شوارع مرسيليا في عام 2023 إلى ساحة حرب حقيقية؛ حيث حصدت النزاعات الدموية بين “دي زد مافيا” وعصابة “يودا” المنافسة أرواح ما يقارب 49 شخصاً، في أسوأ موجة عنف تشهدها المدينة منذ عقود.
وعلى الرغم من الحملات الأمنية الفرنسية الواسعة، وأبرزها عملية “أخطبوط” التي أطاحت بالعشرات من أفراد العصابة، ظل لعريبي يدير إمبراطوريته عن بعد، متنقلاً بين ملاذات آمنة خارج أوروبا، قبل أن يقرر الاستقرار في الجزائر معتقداً أنها الحصن المنيع.
الجنسية المزدوجة.. درع لم يصمد طويلاً
– تكتيك شائع تلجأ إليه رؤوس الجريمة المنظمة في أوروبا: استغلال الجنسية المزدوجة كبوليصة تأمين ضد السجون الأوروبية المشددة. لعريبي، الذي يحمل الجنسيتين الفرنسية والجزائرية، راهن على الدستور الجزائري الذي يمنع بشكل قاطع تسليم المواطنين الجزائريين لدول أجنبية مهما كانت التهم الموجهة إليهم.
ورغم أن هذا المبدأ الدستوري سارٍ، ولن يتم تسليم لعريبي إلى السلطات الفرنسية، إلا أن هذا لا يعني إفلاته من العقاب. فقد تم توقيفه ووضعه حالياً تحت نظام الرقابة القضائية في الجزائر، في انتظار تسلم الملفات الاستدلالية من الجانب الفرنسي.
اختبار حقيقي للتعاون القضائي والدبلوماسي
إن اعتقال لعريبي يتجاوز كونه خبراً أمنياً ليصبح ملفاً دبلوماسياً وقضائياً بامتياز بين ضفتي المتوسط، ويفرض تداعيات متباينة على كلا البلدين:
– بالنسبة لفرنسا: تعيش الأوساط الفرنسية حالة من “الارتياح الممزوج بالإحباط”. فمن جهة، تم تحييد الخطر الأكبر على أمن مرسيليا، ومن جهة أخرى، سيُحرم القضاء الفرنسي من محاكمة المتهم على أراضيه، وسيكون لزاماً عليه إرسال كافة الأدلة وملفات التحقيق إلى الجزائر لتتولى محاكمته عبر آلية “الإنابة القضائية”.
– بالنسبة للجزائر: يمثل هذا الاعتقال رسالة حسن نية تؤكد من خلالها الجزائر أنها شريك أمني فاعل لا يسمح بتحويل أراضيه إلى ملاذ آمن للمجرمين الفارين. وهو في الوقت ذاته اختبار لاستقلالية وسيادة القضاء الجزائري، الذي سيأخذ على عاتقه مهمة دراسة الملفات الفرنسية ومحاكمة المتهم بناءً على قوانينه المحلية والأدلة المادية، بعيداً عن أي ضغوط سياسية.
ختاما، سقوط مهدي لعريبي في الجزائر هو بلا شك نهاية حقبة مظلمة في تاريخ الجريمة المنظمة بمرسيليا. إلا أن الأنظار تتجه الآن نحو قاعات المحاكم، حيث ستلعب الدبلوماسية القضائية دورها الأهم في إثبات أن العدالة قادرة على ملاحقة رؤوس الإجرام، حتى وإن اختبأوا خلف أسوار الحدود والجنسيات المزدوجة.

