الْجَزَائِرُ المحترقة بَيْنَ الْخِطَابِ السِّيَاسِيِّ وَالْأَزَمَاتِ الْبُنْيَوِيَّةِ: قِرَاءَةٌ فِي تَدَاعِيَاتِ اسْتِنْزَافِ الْكَفَاءَاتِ وَعَجْزِ إِدَارَةِ الْكَوَارِثِ
عبدالقادر كتـــرة
نشر موقع جزائري يحمل اسم “توالا أنفو”(Twala.info)، يوم 4 يوليوز 2026، مقالا بعنوان “لما يموت الأطباء المقيمون بالإرهاق” جاء فيه:”إن ما يحدث يعكس واقعاً مهنياً صعباً يعيشه الأطباء يومياً: مناوبات منهكة، ساعات عمل مفرطة، ونقص فادح في فترات الراحة. كل هذا في ظل غياب إطار قانوني صارم يحميهم من هذا الاستنزاف”، هذا ما صرحت به النقابة الوطنية للأطباء العامين للصحة العمومية (SNMGSP) عقب وفاة الدكتورة منصوري.
وفي السياق ذاته، أعلنت وزارات الصحة والتعليم العالي والعمل في 10 مايو/أيار عن تشكيل “لجنة مشتركة مكلفة بتقديم مشروع خطة” لتحسين ظروف تدريب الأطباء المقيمين.
مشروع الخطة هذا لم يرَى النور بعد. وفي غضون ذلك، لقي طبيب آخر حتفه في ظروف مشابهة. إذ توفي عبد الوهاب غرناوط، طبيب التخدير في مستشفى النعامة، إثر سكتة قلبية في 22 يونيو/حزيران أثناء إحدى المناوبات.”
يسلط النص الضوء على المأساة الصامتة للأطباء في الجزائر المتمثلة في ظروف العمل القاسية والضغط الشديد الذي يؤدي إلى وفيات بالسكتة القلبية، كما حدث مع الدكتورة منصوري والدكتور عبد الوهاب غرناوط. ورغم إعلان الحكومة عن تشكيل لجنة لتحسين الأوضاع، إلا أن وعودها بقيت حبراً على ورق بينما يستمر الأطباء في دفع حياتهم ثمناً لهذا الإهمال.
من خلال الوضعية المأساوية لهؤلاء الأطباء، تتجلى صورة واضحة لحالة التناقض الصارخ بين الخطاب السياسي الدعائي والواقع المعيش في الجزائر:
1. المنظومة الصحية: بين وهم الريادة وواقع الانهيار
تصريحات الرئيس عبد المجيد تبون المتكررة بأن المنظومة الصحية الجزائرية هي “الأفضل مغاربياً وأفريقياً وعربياً (أحب من أحب وكره من كره)” تصطدم بجدار الواقع المأساوي.
– أطباء يموتون من الضغط: في الوقت الذي يُفترض أن تكون فيه المستشفيات مكاناً لإنقاذ الحياة، تحولت إلى مسالخ مهنية للأطباء أنفسهم بسبب انهيار البنية التحتية ونقص الموارد.
– وعود وهمية: الحديث عن بناء مستشفى كبير للحروق وتجهيزه بشراكة وتمويل قطري لم يخرج عن كونه تصريحات للاستهلاك الإعلامي وتسكين الغضب الشعبي.
– نفاق النخبة الحاكمة: الفضيحة الأخلاقية الكبرى تكمن في أن كبار المسؤولين وعائلاتهم (الذين يروجون لنجاح المنظومة المحلية) لا يثقون في هذه المستشفيات، ويسارعون بطائرات خاصة لتلقي أبسط العلاجات في مستشفيات فرنسا وألمانيا وسويسرا، تاركين الشعب وأطباءه يواجهون مصيرهم.
2. إدارة الأزمات والكوارث: حرائق الغابات والتخبط الرسمي
مشهد الحرائق التي تلتهم الأخضر واليابس والمواطنين كل صيف يعكس عجزاً بنيوياً في إدارة الأزمات.
– غياب الوسائل والارتجالية: رغم الوعود المتكررة باقتناء طائرات إخماد الحرائق، يجد المواطنون أنفسهم يواجهون النيران بالأساليب البدائية.
– حادثة “الكنادير”: حادثة المعرض الفلاحي تلخص حالة التخبط والافتقار للمعلومة الدقيقة لدى قمة هرم السلطة. مطالبة مسؤولة أمريكية ببيع طائرات “كنادير” (Canadair) فوراً و”كاش”، يكشف عن غياب التحضير والجهل بأن هذه الطائرات من صنع كندي بالأساس، وأن صفقات الطيران الاستراتيجي تتطلب سنوات من التصنيع والطلبيات المسبقة، ولا تُباع في معارض زراعية كبضائع التجزئة أو سوق للخضر بالجملة أو مثل بالات في سوق للملابس الميتعملة.
3. الفجوة الطبقية العميقة
يعيش المجتمع الجزائري انفصاماً طبقياً حاداً بين طبقة كادحة ونخبة مستفيدة:
– في الوقت الذي تُشوى فيه أجساد البسطاء في حرائق الغابات، ويقضي الأطباء نحبهم من الإرهاق مقابل رواتب زهيدة جداً لا تعكس حجم تضحياتهم، تستمتع النخبة الحاكمة والمقربون منها في الإقامات المحمية مثل نادي الصنوبر (Club des Pins) ، أو يقضون عطلاتهم في أرقى شواطئ أوروبا.
– هذا التفاوت يتوج بتكديس ثروات ضخمة وعوائد المحروقات في حسابات بنكية باليورو والدولار في أوروبا ودول الخليج، بينما يواجه المواطن البسيط طوابير للحصول على المواد الأساسية.
4 – تداعيات الأوضاع الكارثية على مستقبل الجزائر
استمرار هذه الفجوة بين الوعود الاستعراضية والواقع المزري ينذر بتداعيات خطيرة على المدى المتوسط والطويل:
1- نزيف العقول (هجرة الأطباء):
الوفيات الناتجة عن الإرهاق المهني والرواتب المتدنية ستؤدي إلى تسريع وتيرة هجرة الأطباء والكوادر الصحية إلى فرنسا وأوروبا وكندا. المنظومة الصحية الفرنسية، على سبيل المثال، تعتمد بشكل كبير على الكفاءات الجزائرية الهاربة من جحيم ظروف العمل في بلدها الأصلي.
2- انهيار العقد الاجتماعي وفقدان الثقة المطلق:
عندما يكتشف المواطن أن الوعود الرئاسية (كالمستشفيات وطائرات الإطفاء) هي مجرد “حبر على ورق”، وأن الردة الفعل الحكومية تقتصر على “لجان تحقيق” لا تنجز شيئاً، تنعدم الثقة تماماً في مؤسسات الدولة، مما يعمق القطيعة بين الحاكم والمحكوم.
3- احتقان شعبي قنبلة موقوتة:
التفاوت المستفز بين “شعب يحترق ويعاني” و”مسؤولين يعالجون ويصطافون في الخارج ويهربون أموالهم”، يراكم غضباً مجتمعياً مكبوتاً. هذا الضغط، في ظل غياب قنوات تنفيس ديمقراطية حقيقية، قد يؤدي إلى انفجارات اجتماعية فجائية يصعب السيطرة عليها.
4- عزلة النظام داخلياً وخارجياً:
الاستمرار في الخطاب الشعبوي المتعالي (أفضل منظومة، شراء الطائرات كاش) يعرض النظام للسخرية الدبلوماسية دولياً، وللغضب العارم داخلياً، ويجعله نظاماً يعيش في فقاعة منفصلة عن الديناميكيات الحقيقية للعالم ولشعبه.

