الْجَزَائِرُ تُجَرِّمُ نَشْرَ أَوْ تَوْثِيقَ ضَحَايَا الْحَرَائِقِ: حِمَايَةٌ لِكَرَامَةِ الضَّحَايَا أَمْ تَكْمِيمٌ لِلْأَفْوَاهِ وَإِخْفَاءٌ لِلْحَقَائِقِ؟ أَوْ عِنْدَمَا يُمْنَعُ الْمُوَاطِنُ الْجَزَائِرِيُّ الْمَكْلُومُ مِنْ نَعْيِ ضَحَايَاهُ

الْجَزَائِرُ تُجَرِّمُ نَشْرَ أَوْ تَوْثِيقَ ضَحَايَا الْحَرَائِقِ: حِمَايَةٌ لِكَرَامَةِ الضَّحَايَا أَمْ تَكْمِيمٌ لِلْأَفْوَاهِ وَإِخْفَاءٌ لِلْحَقَائِقِ؟ أَوْ عِنْدَمَا يُمْنَعُ الْمُوَاطِنُ الْجَزَائِرِيُّ الْمَكْلُومُ مِنْ نَعْيِ ضَحَايَاهُ

عبدالقادر كتـــرة

يعاني المواطن في  الجزائر إضافة إلى العطش والجوع والحرمان ونقص في المواد الاستهلاكية الأساسية وافتقاد بعضها وغلاء المعيشة وانهيار العملة وانعدام الحرية، مما هو أخطر، وجود حظر صارم وشامل من قبل السلطات الجزائرية على توثيق أو نشر أي معلومات تتعلق بضحايا حرائق الغابات (سواء كانوا وفيات أو مصابين)، أي ما معناه ، منع المواطن حتى من التشكي والبكاء والأنين والصراخ، أمام الموت بشتى أنواعه….

وهذا المنع يطال الجميع بلا استثناء: المواطنين العاديين، الصحفيين، وحتى أقارب الضحايا أنفسهم، مع منع الإدلاء بأي تصريحات أو أخبار تخصهم.

ويأتي هذا الوضع القمعي، في سياق حرائق الغابات المتكررة والمأساوية التي تشهدها الجزائر (وخاصة في فصل الصيف).

غالباً ما تترافق هذه الأزمات مع حالة من التوتر بين السلطات التي تسعى للسيطرة على تدفق المعلومات لمنع الهلع أو استغلال الأزمة سياسياً، وبين المواطنين والصحفيين الذين يسعون لنقل حجم المعاناة والواقع على الأرض. استخدام الحساب لعبارة “الجزائر الجديدة” يحمل في طياته طابعاً نقدياً وتهكمياً للوعود السياسية المتعلقة بالانفتاح وحرية التعبير.

منع تصوير ونشر جثث الضحايا هو إجراء متوافق مع أخلاقيات العمل الصحفي والمواثيق الحقوقية، حيث يهدف إلى حماية كرامة الموتى ومنع إيذاء مشاعر ذويهم، وتجنب نشر الرعب والهلع في المجتمع. العديد من الدول تفرض عقوبات على نشر الصور الصادمة والمروعة.

منع الإدلاء أو نشر أي خبر يتعلق بهم حتى ولو كانوا من أقاربك” هو النقطة الحرجة. هذا الإجراء يعكس تعتيماً إعلامياً وتقييداً لحرية التعبير. منع العائلات من الحديث عن فقدان ذويهم أو منع الصحفيين من تغطية الحصيلة البشرية للكوارث يُعد محاولة لاحتكار السردية الرسمية والتقليل من حجم الكارثة أمام الرأي العام الداخلي والخارجي.

محاولة السلطات إدارة الأزمات عبر “حجب المعلومات” غالباً ما تعطي نتائج عكسية. فبينما تكون النية (المعلنة) هي الحفاظ على الأمن العام، فإن غياب الشفافية يولد بيئة خصبة لانعدام الثقة.

إذا تم تطبيق مثل هذه التوجيهات (التعتيم على أخبار الضحايا) بشكل صارم، فإن التداعيات، على المستوى الاخلاقي، ستؤدي إلى زيادة الاحتقان والغضب لدى عائلات الضحايا الذين يشعرون بتهميش معاناتهم وكتم أصواتهم في لحظة ضعف مأساوية.

وانتشار حالة من جنون الارتياب (البارانويا) وعدم اليقين بين المواطنين بشأن الحجم الحقيقي للكارثة.

على المستوى الإعلامي، انفجار الشائعات: الطبيعة تكره الفراغ؛ غياب الأرقام والأخبار الرسمية أو الموثوقة سيؤدي فوراً إلى انتشار الأخبار الكاذبة والمبالغات على منصات التواصل الاجتماعي.

وسيفقد الإعلام المحلي مصداقيته تماماً، وسيتجه المواطنون لاستقاء أخبارهم من قنوات خارجية أو حسابات معارضة قد توظف الحدث لأجندات خاصة.

أما على المستوى السياسي والحقوقي، ستعرض الحكومة لانتقادات لاذعة من منظمات حقوق الإنسان وحرية الصحافة الدولية بسبب فرض الرقابة.

وأخيرا، ستتآكل ثقة المواطن في مؤسسات الدولة وفي شعار “الجزائر الجديدة”، حيث سيُنظر إلى هذه الإجراءات على أنها امتداد لسياسات القمع وتكميم الأفواه بدلاً من الشفافية وإدارة الكوارث باحترافية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *