الجزائر: الاحتقان الداخلي وتصدع المؤسسات: أين تتجه “الجزائر الجديدة”؟

الجزائر: الاحتقان الداخلي وتصدع المؤسسات: أين تتجه “الجزائر الجديدة”؟

عبدالقادر كتـــرة

لخصت صفحة فيسبوك جزائرية تعتبر “صوت الشعب” والشارع، بمرارة مؤلمة ويأس عميق، حصيلة فترة حكم الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون في ما يلي:

“تبون نجح في ظرف ستة سنوات بدون اي حرب إقليمية بتنفيذ المهمة بجدارة واستحقاق:

– تدمير آمال الشباب و إقناع النخبة أن ليس لها أي مستقبل في الجزائر.

– تدمير قيمة الدينار و الاقتصاد ارجعه في الحضيض.

– العودة إلى حضن الصندوق النقد الدولي والرجوع إلى المديونية .

– تهميش كل الكفاءات إما في السجون أو هجرة بدون رجعة .

– القضاء على شهامة الجزائريين ورجولتهم وجعل الشعب مرعوب من الشرطي إلى القاضي الفاسد.

– تشويه صورة الجزائر داخليا وخارجيا

– القضاء على جميع المؤسسات الاقتصادية العمومية و الخاصة بدون استثناء.

– تدمير المجتمع من الداخل أطفال يتعاطون كل أنواع المخدرات و جعلهم مدمنين .

– جعل من الجزائريين هم الأول بلد في طلب اللجوء بشتى أنواعه في أوروبا .

– تدمير جهاز العدالة و أصبحت فاسدة و احكام تباع و تشترى بالهاتف .

– تدمير كل الأجهزة الامنية الداخلية.

نجحت في المهمة التي أوكلت لك و سيجد صعوبة من يخلفك اليوم أو غدا لأن حجم الدمار كبير جدا.”

النص يعكس صوتاً نقدياً حاداً وشديد التشاؤم تجاه فترة حكم الرئيس عبد المجيد تبون. هذا النوع من الخطاب يمثل شريحة من الرأي العام الجزائري (وخاصة عبر منصات التواصل الاجتماعي) التي تشعر بخيبة أمل عميقة تجاه مسار “الجزائر الجديدة” الذي تم الوعد به عقب حراك 2019.

يطرح النص صورة لانهيار اقتصادي شامل، وهو ما يمكن تحليله من خلال النقاط التالية:

– قيمة الدينار والقدرة الشرائية:

تراجع قيمة الدينار الجزائري والتضخم هما حقيقتان ملموستان أثرتا بشدة على الطبقات المتوسطة والفقيرة. هذا التراجع ليس وليد اللحظة بل هو نتيجة لتراكمات هيكلية واعتماد شبه كلي على المحروقات، تفاقم مع الأزمات العالمية (مثل جائحة كورونا وتداعياتها).

– علاقة الجزائر بصندوق النقد الدولي:

من الناحية الواقعية والبيانات الرسمية، لم تعد الجزائر إلى الاستدانة الخارجية من صندوق النقد الدولي خلال هذه الفترة.

بل على العكس، اتخذت الحكومة قرارات  بتجنب الاستدانة الخارجية واعتمدت على تعافي أسعار النفط والغاز لتعزيز احتياطيات الصرف.

ومع ذلك، يعكس النص الخوف العميق من هشاشة الاقتصاد وتقلص الخيارات المالية إذا ما انهارت أسعار الطاقة مجدداً.

– المؤسسات الاقتصادية: بعد سقوط نظام الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، أدت حملات مكافحة الفساد إلى سجن العديد من رجال الأعمال (الأوليغارشيا)، مما أدى بالفعل إلى شلل كبير في العديد من المؤسسات الخاصة وتجميد مشاريع ضخمة، وهو ما خلق فراغاً اقتصادياً وبطالة، لم تستطع الحكومة تعويضه بسرعة.

من جهة ثانية، يركز النص بشكل كبير على الجانب النفسي والاجتماعي، وهو ربما الأكثر تأثيراً على المدى الطويل:

– الهجرة واللجوء: ظاهرة “الحراقة” (الهجرة غير النظامية) وهجرة الكفاءات (نزيف الأدمغة) نحو أوروبا هي مؤشرات حقيقية على أزمة ثقة في المستقبل. تصدر الجزائريين لقوائم طالبي اللجوء أو التأشيرات يعكس بحثاً عن بدائل خارج الحدود بسبب انسداد الآفاق المهنية.

– الآفات الاجتماعية (المخدرات): انتشار المؤثرات العقلية والمخدرات بين الشباب والمراهقين أصبح تحدياً أمنياً واجتماعياً تعترف به حتى السلطات الرسمية، التي تشن حملات مستمرة ضد شبكات التهريب. هذا الانتشار هو غالباً عرض من أعراض البطالة والتهميش.

من جهة ثالثة، يشير النص إلى تدمير أجهزة العدالة والأمن والخوف من السلطة. بعد حراك 2019، شهدت الجزائر حملات اعتقال طالت نشطاء سياسيين، صحفيين، ومعارضين. منظمات حقوق الإنسان الدولية والمحلية أشارت مراراً إلى تراجع الحريات وتوظيف القضاء لتصفية حسابات سياسية أو قمع المعارضة، مما يفسر شعور الكاتب بأن “العدالة أصبحت فاسدة”.

شعور النخبة بعدم وجود مستقبل نابع من تضييق الخناق على العمل السياسي والنقابي المستقل، مما يخلق حالة من الجمود والتصحر السياسي.

إذا استمر هذا الشرخ بين الرواية الرسمية (التي تتحدث عن إنجازات وتعافي اقتصادي ومحاربة الفساد) وبين الواقع الموصوف في النص (الذي يرى دماراً شاملاً)، فإن التداعيات ستكون معقدة:

1- اتساع فجوة الثقة (أزمة الشرعية): استمرار فقدان الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة يجعل تنفيذ أي إصلاحات اقتصادية أو سياسية أمراً بالغ الصعوبة، لأن الشعب لن يتجاوب مع سياسات حكومة لا يثق بها.

2- خطر الانفجار الاجتماعي: بالرغم من محاولات الحكومة شراء السلم الاجتماعي عبر منح البطالة وزيادة الأجور، إلا أن التضخم يبتلع هذه الزيادات. غياب فرص العمل الحقيقية وتفشي الآفات الاجتماعية يضع المجتمع فوق صفيح ساخن قد ينفجر إذا تراجعت أسعار المحروقات.

3- العزلة والتراجع التنموي: استمرار هجرة العقول والكفاءات يعني أن الجزائر تُفرّغ من الموارد البشرية القادرة على بناء اقتصاد ما بعد النفط.

4- تحدي الخلافة السياسية: كما أشار النص، فإن غياب بناء مؤسساتي ديمقراطي حقيقي وتهميش النخب سيجعل أي انتقال مستقبلي للسلطة محفوفاً بالمخاطر، حيث سيواجه أي رئيس قادم تركة ثقيلة من الترهل الإداري والاحتقان الشعبي.

باختصار، النص يمثل تشخيصاً قاسياً يعبر عن آلام شريحة واسعة من الجزائريين. ورغم أن بعض النقاط (مثل الاستدانة من صندوق النقد) تحتاج إلى تدقيق، إلا أن الجوهر العام للنص يسلط الضوء على أزمة حقيقية في إدارة التحول الديمقراطي والاقتصادي في البلاد.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *