هَلْ هَذَا مِنْ سُخْرِيَةِ الْقَدَرِ أَوْ مِنْ سُخْرِيَةِ النِّظَامِ الْجَزَائِرِيِّ؟: أَنْقَذَتِ الْوِقَايَةُ الْمَدَنِيَّةُ طَائِرًا مِنْ حَرِيقِ غَابَةٍ وَلَمْ تُنْقِذْ أَطْفَالًا أَيْتَامًا ضَحَايَا حَرِيقِ “دَارِ الْأَيْتَامِ”، “بطولة الأفراد” و”إخفاق المؤسسات

هَلْ هَذَا مِنْ سُخْرِيَةِ الْقَدَرِ أَوْ مِنْ سُخْرِيَةِ النِّظَامِ الْجَزَائِرِيِّ؟: أَنْقَذَتِ الْوِقَايَةُ الْمَدَنِيَّةُ طَائِرًا مِنْ حَرِيقِ غَابَةٍ وَلَمْ تُنْقِذْ أَطْفَالًا أَيْتَامًا ضَحَايَا حَرِيقِ “دَارِ الْأَيْتَامِ”، “بطولة الأفراد” و”إخفاق المؤسسات

عبدالقادر كتـــرة

سارعت جريدة الشروق الجزائرية الاستخباراتية، يوم 26 يوليوز الجاري، إلى نشر خبر عنونته ب”الحماية المدنية تنقذ “طائر لقلق” خلال إخماد حريق بالمدية”، جاءت فيه :

“في مشهد يجسّد البعد الإنساني والبيئي لمهام أعوانها”ّ، نشرت مصالح الحماية المدنية بولاية المدية ظهر الخميس، مقطع فيديو يظهر قيام عونين بإنقاذ طائر لقلق من الاختناق، خلال إخماد حريق بالولاية.

واستعمل عونا الإطفاء أنبوب مياه لمساعدة الطائر، بعد أن تعرّض للاجهاد والاختناق جراء كثافة الدخان المنبعث من ألسنة اللهب، إلى جانب ارتفاع درجات الحرارة.”

وفي نفس العدد أشارت، في مقال لها، إلى دفن الأطفال اليتامى ضحايا حريق “دار الأيتام” التي تحولت إلى جحيم التهمهم، جاءت فيه: “بتكليف من رئيس الجمهورية، شارك الوزير الأول سيفي غريب وأعضاء من الحكومة مساء الخميس بمقبرة سيدي رزين في العاصمة، في تشييع جثامين ضحايا الحريق الذي نشب فجر اليوم بمؤسسة الطفولة المسعفة في المحمدية.

وأسفر حريق مركز الطفولة المسعفة بالمحمدية عن وفاة 11 شخصا، وإصابة 10 آخرين بحروق متفاوتة الخطورة، حسب ما أفادت به مصالح الحماية المدنية.

كما أسفر الحريق عن تسجيل حالتين تعانيان من ضيق وصعوبة في التنفس، إلى جانب 7 أشخاص في حالة صدمة نفسية. فضلا عن التكفّل بـ 5 أشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة ونقلهم إلى مكان آمن.

وُوريت جثامين 10 من الأطفال المتوفين جراء الحريق، الثرى بمقبرة سيدي رزين بالعاصمة. فيما تولّت أسرة الضحية الحادية عشرة، تشييع جثمانه بمقبرة بودواو في بومرداس”.

تطرح هذه المقارنة مفارقة مؤلمة وقاسية، وتضع الأصبع على جرح عميق يتعلق بأولويات الإعلام الرسمي ومدى كفاءة مؤسسات الدولة في التعامل مع الأزمات.

عندما يتم تسليط الضوء على إنقاذ طائر بينما تُفقد أرواح بشرية (خاصة الأطفال) في حوادث مأساوية مشابهة، هذا التساؤل نتيجة حتمية وطبيعية لشعور عام بالإحباط.

الأمر ليس سخرية من القدر، بل هو انعكاس لخلل هيكلي في النظام الإداري والمنظومة الإعلامية التي تبحث عن “انتصارات صغيرة” لتغطية إخفاقات كبرى.

إنقاذ أفراد الحماية المدنية لطائر اللقلق هو في حد ذاته عمل إنساني نبيل يُحسب للأفراد (أعوان الإطفاء) الذين يخاطرون بحياتهم. لكن الإشكالية تكمن في التوظيف الإعلامي لهذا الحدث البسيط، حيث تسارع الجهات الرسمية إلى تلميع صورتها وإظهار “السيطرة التامة” والمثالية في أداء المهام.

الحوادث المأساوية التي راح ضحيتها أطفال أو رضع في منشآت تابعة للدولة (مثل حريق مستشفى الولادة بالوادي الذي أودى بحياة 8 رضع، أو حوادث دور الرعاية والأيتام). هذه الحوادث لم تكن نتيجة قضاء وقدر بحت، بل كشفت عن غياب مروع لأدنى معايير السلامة (غياب أجهزة إنذار، انعدام مخارج طوارئ، نقص التجهيزات، وتأخر التدخل).

لماذا يظهر هذا التباين؟

تميل الأنظمة الإدارية التي تعاني من نقص في الفعالية إلى تضخيم الأحداث العاطفية الإيجابية (إنقاذ حيوان، مساعدة مسن) لصناعة صورة بطولية تستهلكها منصات التواصل الاجتماعي. إنها محاولة لصرف الانتباه عن العجز في إدارة الأزمات الكبرى.

فإنقاذ طائر يتطلب شجاعة فردية وخرطوم مياه، أما إنقاذ أطفال في مبنى يحترق فيتطلب بنية تحتية متكاملة: كاشفات دخان حديثة، نظام إطفاء آلي، فرق تدخل سريعة، ومؤسسات صحية جاهزة لاستقبال حالات الاختناق. غياب هذه المنظومة هو ما يقتل، وليس نقص شجاعة أعوان الإطفاء.

إن الترويج المكثف لنجاحات هامشية يُعتبر في نظر المواطن استخفافاً بآلام عائلات فقدت أبناءها بسبب إهمال حكومي لم يُحاسب عليه كبار المسؤولين بشكل جذري.

سخرية النظام أم فشل الدولة؟

المسألة تتجاوز “سخرية النظام” لتصل إلى “هشاشة الدولة الرعوية”. النظام لا يسخر من المواطنين بشكل متعمد بإنقاذ الطائر وترك الأطفال، بل هو يمارس “الهروب إلى الأمام”.

عقلية الإدارة تعتمد على تلميع الواجهة بدلاً من ترميم الأساسات. من الأسهل جداً تصوير مقطع فيديو ناجح لإنقاذ لقلق ونشره على فيسبوك، من تخصيص ميزانيات ضخمة ومراقبة صارمة لتأمين كل مستشفيات ودور أيتام الجمهورية ضد الحرائق.

هذا النوع من التناقضات يخلق ارتدادات عميقة في المجتمع:

المواطن يصبح غير قابل لتصديق الرواية الرسمية حتى وإن كانت صحيحة. هذا يُفقد مؤسسات الدولة (مثل الحماية المدنية) رصيدها الشعبي بسبب تسييس جهودها.

وتتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحة للسخرية السوداء، حيث يقارن المواطن بين قيمة الحيوان وقيمة الإنسان في وطنه، مما يعمق الشعور بالاغتراب والإحباط لدى الشباب.

كما أن هذه المقارنات ترفع من سقف الوعي. المواطن لم يعد يكتفي بإقالة مسؤول صغير (كبش فداء) بعد كل كارثة، بل بات يدرك أن المشكلة تكمن في غياب استراتيجية وطنية للوقاية وإدارة المخاطر.

خلاصة القول، عون الإطفاء الذي أنقذ الطائر قام بواجبه الإنساني ويستحق التقدير، لكن الكاميرا التي صورت الحدث وركّزت عليه تتبع لنظام إعلامي وإداري فشل في توفير آليات حماية حقيقية تضمن حياة الأطفال في المؤسسات التي من المفترض أن تكون الحاضن الآمن لهم. المفارقة هنا هي بين “بطولة الأفراد” و”إخفاق المؤسسات”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *