لَيْلَةَ سَقَطَتِ الْجَزَائِرُ فِي الْهَاوِيَةِ: كَارِثَةٌ تُغْرِقُ أَكْثَرَ مِنْ 22 مِلْيُونَ جَزَائِرِيٍّ فِي 16 وِلَايَةً فِي ظَلَامٍ دَامِسٍ، فِي بَلَدٍ قَالَ عَنْهَا رَئِيسُهَا: الدَّوْلَةُ الْوَحِيدَةُ فِي الْعَالَمِ لَهَا فَائِضٌ وَتَبِيعُ لِأُورُوبَّا
عبدالقادر كتـــرة
في تناقض صارخ مع تصريحات الرئيس تبون التي زعم فيها أن الجزائر هي “الدولة الوحيدة في العالم التي لديها فائض وتبيع لأوروبا”، عاش نصف سكان البلاد ليلة من الجحيم الطاقوي. أغرق انقطاع شامل للتيار الكهربائي (بلاك آوت) 16 ولاية جزائرية، مما أثر على نحو 22 مليون نسمة، وحول المدن الرئيسية، بما في ذلك العاصمة الجزائر، إلى مجرد أطلال مظلمة في ظل موجة حر شديدة.
وقعت الكارثة في ليلة 14-15 يوليو 2026، بدءا من الساعة الـ 10:00 مساء، واستمرت حتى الساعة الـ 4:00 صباحا أو حتى الـ 6:00 صباحا لبعض المناطق.
هذه النكبة الكهربائية الشاملة كشفت عن عيوب هيكلية عميقة في بنية الطاقة الجزائرية، مفندة كل الخطابات الرسمية الحكومية التي تحاول تبرير الفشل.
وتعرضت 16 ولاية (معظمها في شرق البلاد) لانقطاع واسع للتيار الكهربائي ليلة الثلاثاء 14 يوليو 2026 بسبب عطل تقني استثنائي في منشأة كهربائية استراتيجية بـ “سيدي عقبة” (ولاية بسكرة).
وحسب المسؤولين، وقع العطل نتيجة موجة حر شديدة مع رطوبة مرتفعة تسببت في تذبذبات متسلسلة بالشبكة تسبب في إغراق غرق البلاد في ظلام دامس مع درجات حرارة تجاوزت 49 درجة مئوية في الصحراء و 45 درجة على السواحل.
الكارثة استننفرت قطاعات الدولة بإكملها وتحرك الوزير الأول ووزير الطاقة إلى مركز التحكم، وتمكنت فرق “سونلغاز” من إعادة التيار بالكامل بحلول الساعة الرابعة فجراً.
من المفارفات أن تسجل هذه الكارثة التناقض الصارخ في الخطابات الرسمية التي لا يتوقف النظام الجزائري عن ترديد أن الجزائر هي البلد الوحيد في العالم الذي يتوفر على “الفائض المزعوم” لكن يكءبه العجز الفعلي.
وسبق أن صرح الرئيس تبون (دجنبر 2022) “إن الجزائر تعرض على أوروبا بيع فائض إنتاجها من الكهرباء”، ووصفها بأنها الدولة الوحيدة التي فاقت أمريكا وروسيا وفرنسا في الفائض.
لكن الطامة الكبرى التي أغرقته في الكذب والادعاءات هي هذه الكارثة التي تزامن فيها الانقطاع مع تسجيل الجزائر أعلى ذروة استهلاك في تاريخها (21,870 ميغاواط).
رغم قدرة إنتاج تتجاوز 26 ألف ميغاواط، فإن الشبكة لم تتحمل، ما يثبت أن المشكلة ليست في كمية الإنتاج، بل في هشاشة شبكات النقل والتوزيع.
انتقد العديد من الخبراء حكومة الرئيس تبون لعدم الاستثمار في البنية التحتية لشبكة التوزيع.
على الرغم من أن الطلب على الكهرباء ارتفع بنسبة 30% منذ عام 2019 (من 16,000 ميجاواط إلى 21,000 ميجاواط)، فإن السكان زادوا بنسبة 10% فقط. هذه الزيادة في الطلب تشير إلى أن الحكومة لم تواكب النمو بالاستثمارات اللازمة لتحديث الشبكة وتوسيع طاقتها.
لكن الحكومة سارعت لوصف التدخل السريع بـ”الإنجاز” و”سبب للفخر”، لتعزيز ثقة المواطن بقدرات الدولة في الوقت الذي كشفت الأزمة أن شبكة النقل غير قادرة على عزل الأعطاب، وأن برنامج تحديث أنظمة المراقبة “SCADA” لم يكتمل بعد.
وامتد العطل ليشمل شبكة الكهرباء في تونس المجاورة، مما اضطرها لدعوة مواطنيها لترشيد الاستهلاك.
كما تزامن الانقطاع مع حرائق غابات واسعة (19 حريقاً بـ 10 ولايات) أسفرت عن وفاة شخص وإصابة آخر في سطيف.
خسائر متعددة الأوجه
– اقتصادياً: خسائر فادحة للقطاع الصناعي والتجاري، وتشويه لسمعة الجزائر كـ”مصدر موثوق للطاقة”.
– اجتماعياً: معاناة إنسانية حقيقية مع درجات حرارة قياسية وانقطاع التبريد، واهتزاز ثقة المواطن في خطط التطوير.
– سياسياً: إحراج للحكومة التي تتبنى خطاباً طاقوياً طموحاً، لكنه اصطدم بواقع بنية تحتية غير مؤهلة.
خلاصة القول، تكشف أزمة انقطاع الكهرباء عن فجوة عميقة بين الطموحات السياسية (الريادة الطاقوية وتصدير الفائض) وواقع البنية التحتية (الهشة وغير المؤهلة لمواجهة الطلب المتصاعد).
كما يظهر فشل ذريع في مجال الصيانة الوقائية. لم تقم شركة “سونلغاز” بإجراءات كافية لحماية المعدات الحساسة، خاصة التوربينات الغازية التي تعتمد عليها الجزائر بدرجة كبيرة في إنتاج الطاقة.
تحتاج هذه التوربينات إلى صيانة صارمة للحفاظ على كفاءتها، خاصة في فترات الحر الشديد، التي أدت إلى عطل محطة “سيدي عقبة” الناجم عن “الحرارة المرتفعة والرطوبة” بحسب المسؤولين.
إنها دعوة صريحة لإعادة توجيه الأولويات نحو تحديث جذري للشبكة الكهربائية بدلاً من الاكتفاء بزيادة الإنتاج، خاصة في ظل تغير مناخي يزيد من شدة وتكرار موجات الحر.

