اَلْجَزَائِرُ: حَرِيقٌ فِي “دَارِ أَيْتَامٍ” أَسْفَرَ عَنْ وَفَاةِ 11 يَتِيمًا وَإِصَابَةِ 19 آخَرِينَ، وَ”السُّخْطُ” شَعْبِيٌّ بِسَبَبِ الْإِحْسَاسِ بِغِيَابِ الْمُحَاسَبَةِ الْإِدَارِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ لِلْمَسْؤُولِينَ عَنْ إِدَارَةِ الْمَرَافِقِ الْمُتَهَالِكَةِ
عبدالقادر كتـــرة
“لقي 11 شخصاً على الأقل مصرعهم وأصيب 19 آخرون، فجر الخميس 16 يوليو، إثر حريق اندلع داخل دار لرعاية الأيتام (مؤسسة الطفولة المسعفة”، وهي مؤسسة مخصصة لإيواء الأطفال المحرومين من الرعاية الأسرية) في بلدية المحمدية شرقي العاصمة الجزائر، فيما تواصل فرق الحماية المدنية عمليات الإخماد والتحقيق لكشف ملابسات الحادث.
ووفق الحصيلة الأولية، أسفر الحريق عن وفاة 11 شخصاً، بينما أصيب 19 آخرون، بينهم 10 مصابين بحروق متفاوتة الخطورة، وشخصان يعانيان من صعوبات في التنفس، إضافة إلى 7 أشخاص أصيبوا بصدمة نفسية نتيجة الحادث.
كما تمكنت فرق الإنقاذ من إجلاء خمسة أشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة ونقلهم إلى مكان آمن، بالتزامن مع استمرار عمليات التفتيش داخل المبنى للتأكد من عدم وجود عالقين.”
جريمة بشعة من جرائم النظام العسكري الجزائري المارق والخبيث تنضاف آل جرائم أخرى، ضحاياها فئات من الشعب المهمش والمغلوب على أمره، ضحايا الفياضانات والزلازل والحرائق والانفجارات وحوادث السير وقوارب الموت.. في بلد يعتبر من أغنى البلدان وكان من المفروض أن يكون في مصاف دول الخليج لكنه فقير ومتخلف وبنيته التحتية مهترئة تضاف إلى الفقر والحرمان والجوع والعطش البطالة …
هذا النوع من الحوادث المأساوية، خاصة عندما يمس فئة هشة يفترض أنها تحت الرعاية المباشرة لمؤسسات الدولة، يفتح الباب واسعاً لإثارة العدبد من الأسئلة أعمق للواقع السوسيو-اقتصادي والسياسات العامة في جزائر جنرالات النظام العسكري الجزائري المارق وكهنة معبد المرادية الفاسدين وإعلامهما الراكع والمنبطح والعميل وقنوات صرفه الصحي وجرائده المراحيضة…
حوادث مثل حرائق دور الرعاية، المستشفيات، أو المدارس غالباً ما تكون عَرَضاً لمرض أعمق في هيكل الإدارة العامة بسبب تهالك البنية التحتية، حيث يشير تكرار هذه الحوادث إلى غياب الصيانة الدورية للمرافق العمومية وضعف الالتزام بمعايير السلامة المدنية.
هذا الحدث يولد شعوراً بـ “السخط” بسبب الإحساس العام بغياب المحاسبة الإدارية والسياسية الصارمة للمسؤولين عن إدارة هذه المرافق المتهالكة.
تعتمد الجزائر بشكل شبه كلي على عائدات المحروقات (النفط والغاز). هذا النموذج الريعي يخلق تدفقات نقدية ضخمة للدولة، لكنه غالباً لا ينعكس في شكل تنمية مستدامة أو تنويع اقتصادي.
ومن المفارقات العجيبة والغربية في مقارنة هذا البلد الفقير مع دول الخليج الغنية بنفس الثروات وأكثر، إذ بينما نجحت بعض دول الخليج في تحويل العائدات النفطية إلى صناديق سيادية وبنى تحتية حديثة ومشاريع استثمارية ضخمة، عانى النموذج الجزائري من تراكمات البيروقراطية المركزية وسوء تخصيص الموارد، مما أدى إلى تخلف البنية التحتية وتراجع جودة الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم والماء.
ضحايا الكوارث في الجزائر ثقيلة وجسيمة ومأساوية بسبب التدخلات الحكومية التي غالباً ما تتسم بالطابع العاجل ورد الفعل بعد وقوع الكارثة (كما حدث في حرائق الغابات المتكررة في منطقة القبائل وغيرها)، بدل بناء منظومة وقائية واستشرافية حديثة.
فحوادث السير المميتة والفيضانات ترتبط بشكل وثيق بغياب التخطيط العمراني السليم، رداءة الطرقات، وضعف قنوات الصرف الصحي، مما يحول الظواهر الطبيعية العادية إلى كوارث بشرية.
التداعيات الاجتماعية للأوضاع الكارثية للشعب الجزائري دفعته لركوب”قوارب الموت” نحو مستقبل مجهول قد يكون حلا أفضل.
والنتائج الحتمية لهذا الخلل الهيكلي تقع مباشرة على كاهل المواطن، وتفرز ظواهر اجتماعية معقدة:
– البطالة والانسداد في الأفق: رغم الثروة النفطية، تعاني فئة الشباب من نسب بطالة مرتفعة وتضخم يلتهم القدرة الشرائية، مما يولد إحباطاً اقتصادياً حاداً.
– الهجرة غير النظامية (الحرّاقة): اللجوء إلى “قوارب الموت” هو التعبير الأكثر مأساوية عن أزمة الثقة بين المواطن ومؤسسات بلده. عندما يفضل الشاب المغامرة بحياته في عرض البحر الأبيض المتوسط على البقاء في بلد غني بالموارد، فهذا مؤشر قوي على فشل السياسات التوزيعية وغياب العدالة الاجتماعية.
خلاصة القول، الفاجعة المذكورة ليست حدثاً معزولاً، بل هي حلقة في سلسلة من التداعيات الناتجة عن تسيير اقتصاد ريعي غير منتج. تجاوز هذا الواقع يتطلب انتقالاً حقيقياً نحو تنويع الاقتصاد، تحديث الإدارة بعيداً عن البيروقراطية، وإرساء مبادئ الحكامة والشفافية في تسيير الشأن العام لضمان تحويل ثروات البلاد إلى تنمية بشرية حقيقية تحمي الفئات الأكثر ضعفاً كالأيتام والشباب، بدل صرفها وتبديدها في تمويل وتسليح وتأطير الجماعات الانفصالية والإرهابية وشراء الذمم والضمائر بالرشاوي لرفع شعاراته الفارغة والواهية…

