الجزائر: 12 سنة لمواطن تونسي من قبل القضاء الجزائري، بسبب حيازته لـ 10خرفان على مقربة من الحدود وغضب وسخط في تونس للصرامة العمياء والمقاربة الأمنية الجافة
عبدالقادر كتـــرة
نشر موقع “الصحيفة” استناداً إلى “المرصد التونسي لحقوق الإنسان”، يفيد بالحكم على مواطن تونسي يُدعى “وليد ذيبي” بالسجن لمدة 12 سنة من قبل القضاء الجزائري، والسبب المعلن هو حيازته لـ 10 خرفان على مقربة من الحدود. لفهم خبايا هذا الحكم الصادم .
هذه الحادثة ليست معزولة، بل تأتي في سياق تشديد أمني وقانوني كبير تفرضه السلطات الجزائرية على حدودها، وقد تابع “المرصد التونسي لحقوق الإنسان” (برئاسة مصطفى عبد الكبير) مراراً قضايا مشابهة لتونسيين حُكم عليهم بالسجن لمدد طويلة (مثل السجن 10 سنوات) بسبب نقل أو تهريب مواد غذائية مدعمة.
يستند القضاء الجزائري في هذه الأحكام القاسية إلى “قانون مكافحة التهريب” (الأمر رقم 05-06 المعدل والمتمم)، والذي يُدرج تهريب “الماشية” والسلع المدعمة ضمن الجرائم الاقتصادية الكبرى التي تهدد الأمن القومي للاقتصاد الجزائري.
وينص هذا القانون على عقوبات زجرية مغلظة تتراوح غالباً بين 10 و20 سنة سجناً نافذاً، خاصة إذا اقترن الفعل باستخدام وسيلة نقل للتهريب، أو إذا تم الفعل ضمن مجموعة مكونة من ثلاثة أشخاص فأكثر. وبالتالي، فإن القضاء الجزائري يطبق النص القانوني بصرامة عمياء، دون الأخذ بعين الاعتبار صغر الكمية (10 خرفان) أو الظروف الاجتماعية للموقوف.
تكشف هذه القضية عن فجوة عميقة بين المقاربة الأمنية والقانونية الجافة، وبين الواقع السوسيو-اقتصادي المرير لسكان المناطق الحدودية.
فتجارة المواشي والتبادل التجاري البسيط عبر الحدود هو العصب الاقتصادي ومصدر الرزق شبه الوحيد لآلاف العائلات على الجانبين منذ عقود، في ظل غياب التنمية وارتفاع نسب البطالة.
إن ما يثير الاستهجان الشعبي والحقوقي هو “انعدام التناسب” بين الفعل المرتكب والعقوبة المسلطة.
سجن شخص لمدة 12 عاماً من عمره (وهي عقوبة توازي في أنظمة قضائية أخرى جرائم القتل العمد أو الإرهاب) بسبب 10 خرفان، يُنظر إليه كقسوة مفرطة تحول مواطناً بسيطاً يبحث عن قوت يومه إلى ضحية لآلة قانونية وُضعت أساساً لضرب “حيتان التهريب الكبرى” والشبكات المنظمة.
في المقابل، تُبرر السلطات الجزائرية هذه الصرامة بكون اقتصادها يتعرض لاستنزاف يومي ممنهج. فالدولة الجزائرية تنفق المليارات لدعم السلع والمحروقات والأعلاف، وترى أن تهريب هذه المقدرات (سواء ماشية أو سلع) يفرغ سياسة الدعم من محتواها، لذا اختارت سياسة “الردع الأقصى” لوقف هذا النزيف.
قراءة التداعيات على مستقبل العلاقات بين تونس والجزائر
بالرغم من أن العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين القيادتين في تونس والجزائر تمر حالياً بفترة من التوافق الاستراتيجي والتحالف الوثيق، إلا أن تكرار مثل هذه الحوادث يحمل تداعيات خطيرة على مستويات أخرى.
هذه الأحكام تضرب في مقتل السردية الشعبية القائمة على الأخوة ومقولة “خاوة خاوة”. تداول هذه الأخبار يولد حالة من الغضب والشعور بالظلم لدى الرأي العام التونسي، الذي بات يرى في الإجراءات الجزائرية تعسفاً وعقاباً جماعياً لا يليق بحقوق “الجار”. تراكم هذا الاحتقان الشعبي قد يخلق جفاءً مجتمعياً طويل الأمد لا يمكن للخطابات الدبلوماسية تداركه.
كما تضع هذه القضايا الحكومة التونسية في موقف حرج للغاية أمام شعبها.
فهي من جهة تسعى للحفاظ على دفء العلاقات مع الشريك الجزائري والمهم طاقياً، ومن جهة أخرى تواجه ضغطاً داخلياً ومطالبات حقوقية بضرورة التدخل وحماية كرامة مواطنيها، وعدم الظهور بمظهر المتساهل تجاه حقوق التونسيين في الخارج.
إذا استمرت المقاربة الجزائرية في التعامل مع صغار التجار والرعاة التونسيين بقوانين الإرهاب الاقتصادي، فإن ذلك سيتحول إلى قنبلة موقوتة دائمة على الحدود.
خلاصة القول، مستقبل العلاقات الهادئة يتطلب بشكل عاجل الخروج من الحل الأمني الصرف نحو حلول هيكلية، مثل تفعيل لجان قضائية وقنصلية مشتركة تُعنى بملفات الشريط الحدودي، وتعمل على تسوية وضعيات صغار المخالفين بعيداً عن السجون.
والتفكير الجدي في خلق مناطق تبادل تجاري حر (أسواق حدودية مقننة) تلبي احتياجات سكان تلك المناطق بطرق شرعية، مما يحفظ أمن الاقتصاد الجزائري، ويحمي المواطن التونسي من غياهب السجون.

