عقدة المقارنة وانعدام العفوية في الجزائر: استخدام جزائريين على أنهم سياح أجانب لتسويق صورة إيجابية للجزائر وضرب السياحة في المغرب بأسلوب فج وخسيس…

عقدة المقارنة وانعدام العفوية في الجزائر: استخدام جزائريين على أنهم سياح أجانب لتسويق صورة إيجابية للجزائر وضرب السياحة في المغرب بأسلوب فج وخسيس…

عبدالقادر كتــرة

انتشر فيديو على السوشيال ميديا يتضمن محتوى من خلال مقابلة في الشارع ل”سائح فرنسي” (مهاجر غير شرعي جزائري يتقمص دور سائح إسباني)، ادعى أنه زار الجزائر والمغرب وانبهر بما لاقاه من حفاوة في الجزائر خلافا للمغرب، كذبا وبهتانا ونذالة وحقارة وخسة…

كما ادعى بما ليس فيه ولا في الجزائريين وبما يفتقدونه، متبنيا أخلاق وخصال والسلوك الحميد والمعروف عالميا لدى الشعب المغربي من حفاوة الاستقبال وكرم الضيافة ونسبه إلى الجزائريين.

أولا، في المقطع، يظهر شخص يتحدث باللغة الفرنسية، ويدعي أنه في الجزائر منذ 3 أيام فقط. ورغم هذه المدة القصيرة جداً، ركز حديثه على المقارنة المباشرة مصرحا بأنه زار المغرب سابقاً، وبدأ بوضع مقارنة فورية، مدعياً أن هناك “اختلافاً كبيراً جداً”.

ادعى أنه في الجزائر يتحدث الناس بصدق دون انتظار مقابل، بينما في المغرب “كان الناس يطلبون منا أشياء دائماً” (شيطنة الوجهة الأخرى).

وروى قصة عن أشخاص بسطاء في الجزائر (المبالغة في المثالية) رفضوا أن يدفِع ثمن الأشياء، وقصة أخرى عن سيدة دفعت عنه أجرة التاكسي في “تيبازة”، ليخلص إلى أنه “يفضل الجزائر بأشواط على المغرب”.

في نهاية المقابلة، عندما سُئل عن جنسيته، ادعى أنه “إسباني من مدريد، وأن والده فرنسي ولذلك يتحدث الفرنسية”.

خطاب السائح الوهمي ينم عن “عقدة المقارنة وانعدام العفوية”، إذ السائح الطبيعي، خاصة إذا كان أوروبياً كما يدعي، يتحدث عادة عن تجربته الخاصة في البلد الذي يزوره (المناظر الطبيعية، الطقس، المعالم، الأكل).

اللجوء فوراً إلى جعل المغرب “مقياساً” لانتقاصه من أجل مدح الجزائر، يفضح غياب العفوية ويشير إلى أن الكلام مُلقن أو موجه لخدمة أجندة معينة.

التناقضات في لغة الجسد، واللكنة الفرنسية، وسرعة إطلاق أحكام قطعية بعد 3 أيام فقط (الافتقار إلى المصداقية)، تجعل من السهل للمتلقي الذكي (سواء كان مغربياً، جزائرياً، أو أجنبياً) أن يكتشف أن هذا الشخص ليس سائحاً حقيقياً، بل أداة في حملة دعائية.

بدلاً من التركيز على ما تملكه الجزائر من مقومات سياحية حقيقية (صحراء، آثار رومانية، شواطئ)، يتم اختزال الترويج السياحي في “نحن أفضل من جيراننا لأنهم سيئون”، وهو أسلوب دعائي فقير جداً.

استخدام أشخاص لتمثيل دور سياح أجانب بأسلوب فج وخسيس، هو استخفاف بعقول المتابعين.

السياحة الحقيقية تُبنى على البنية التحتية، جودة الخدمات، والأمن، وليس على مقاطع فيديو مفبركة لمهاجمة دول الجوار.

المغرب يمتلك علامة سياحية عالمية راسخة، ويستقبل ملايين السياح سنوياً. السياح يبنون قراراتهم على تقييمات المنصات العالمية الموثوقة وتجارب المؤثرين الحقيقيين، وليس على مقاطع فيديو مجهولة المصدر تُبنى على خطاب الكراهية والمقارنات السلبية.

عندما تلجأ جهات معينة (سواء كانت رسمية أو حسابات على منصات التواصل) إلى اختلاق “سياح وهميين”، فإنها تضرب مصداقية السياحة في بلدها في مقتل.

فإذا ظهر سائح أجنبي حقيقي يمدح الجزائر مستقبلاً، سيتم التشكيك فيه فوراً بسبب هذه السوابق المفتعلة.

وهذا النوع من الفيديوهات لا علاقة له بالسياحة، بل هو جزء من “حرب الجيل الخامس” الرقمية المشتعلة بين البلدين. إنه يهدف إلى الاستهلاك المحلي لتأجيج المشاعر القومية، واستفزاز الطرف الآخر لرد الفعل.

لجوء أي طرف إلى التخفي وراء جنسيات أجنبية (إسباني/فرنسي) لمدح الذات وذم الآخر، يعكس عقدة نقص واضحة؛ فالمنتج القوي والجيد يفرض نفسه ولا يحتاج لمن يتقمص شخصيات أجنبية لإثبات جودته.

خلاصة القول، هذا الفيديو هو نموذج صارخ لما يُعرف بـ “البروباغندا السوداء” العكسية؛ فهي لا تفيد الجهة التي صنعتها، ولا تضر الجهة المستهدفة (المغرب)، بل تفضح هشاشة الخطاب الدعائي الذي يعتمد على الكذب بدلاً من العمل الميداني لتطوير قطاع السياحة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *