محاكمة طارق رمضان، حفيد حسن البنا (مؤسس جماعة الإخوان المسلمين في مصر): الإعلان عن دخوله مستشفى للأمراض النفسية
عبدالقادر كتـــرة
بينما تُعقد محاكمته بتهم الاغتصاب في باريس، نُقل طارق رمضان (63 عاماً) صباح يوم الثلاثاء إلى مستشفى للأمراض النفسية في جنيف، وفقاً لمحامييه وصحيفة “لوباريزيان”.
ومن المقرر أن يقوم عضوان جديدان في فريق دفاعه بإبلاغ المحكمة بهذا الوضع، معتبرين أن حالته الصحية لا تسمح بمحاكمته، وبناءً عليه، يطالبون بتأجيل الجلسات.
أثار هذا الإعلان انقساماً في الآراء، حيث اعتبر منتقدوه الأمر “مناورة” للتهرب من المحاكمة،
لكن بالنسبة لدفاعه هو دليل على تدهور حقيقي في حالته الصحية.
جدير بالإشارة إلى أن هذه المحاكمة في باريس تتعلق باتهامات تعود للفترة بين عامي 2009 و2016، وتخص أربع نساء.
وتأتي هذه التطورات بعد أن تمت تبرئة رمضان في جنيف (سويسرا) في مايو 2023 في قضية مماثلة، لكن النيابة العامة السويسرية استأنفت الحكم.
لطالما أكد رمضان ومعاونوه أنه يعاني من مرض “التصلب المتعدد”، وهو ما كان محور نقاشات طبية وقانونية محتدمة منذ بداية الملاحقات القضائية في عام 2017.
قانونيا، يهدف الدفاع إلى الحصول على “تأجيل”.
إذا أثبتت الخبرة الطبية عدم الأهلية النفسية أو الجسدية، فقد تتوقف المحاكمة مؤقتاً، مما يعقد مسار العدالة للضحايا المفترضين.
لكن إستراتيجياً، يوحي التوقيت (صباح الجلسة) بالرغبة في إحداث صدمة إجرائية. دخول مستشفى الأمراض النفسية يرفع سقف التحدي أمام القضاة، لأن الصحة العقلية خط أحمر في القانون الجنائي الفرنسي.
أما إعلامياً، الخبر يعيد الاستقطاب الحاد حول شخصية رمضان؛ حيث يراه أنصاره ضحية “اغتيال معنوي” أدى لانهياره، بينما يراه خصومه “مخططاً بارعاً” يستخدم صحته كدرع أخيرة.
إن دخول طارق رمضان إلى المصحة النفسية في هذه اللحظة الحرجة يضع القضاء الفرنسي أمام معضلة حقيقية.
من جهة، لا يمكن محاكمة شخص لا يملك كامل قواه العقلية للدفاع عن نفسه، فهذا ركن أساسي من أركان المحاكمة العادلة.
ومن جهة أخرى، يثير هذا التطور غضب الجهات المدعية التي تنتظر هذه اللحظة منذ سنوات، حيث يُنظر إلى “الهروب الطبي” كآلية لتعطيل العدالة.
المفارقة تكمن في أن صورة “المفكر القوي” التي صبغ بها رمضان مسيرته لعقود، تتلاشى الآن أمام صورة “المريض المنهار”.
وسواء كانت الأزمة الصحية حقيقية أو تكتيكية، فإن الرابح الأكبر حالياً هو الوقت، والخاسر الأكبر هو الوضوح القضائي الذي طال انتظاره في واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في العقد الأخير.
سيتعين على المحكمة الآن تعيين خبراء طبيين مستقلين لتقييم حالة رمضان وتحديد ما إذا كان “الانهيار العصبي” يمنع فعلياً استمرار المحاكمة أم أن الجلسات يمكن أن تستمر في غيابه أو بعد تحسن طفيف.
يذكر أن طارق سعيد رمضان من مواليد 26 غست 1962 في مدينة جنيف، سويسرا.
يحمل طارق ىمضان الجنسية السويسرية وهو من أصل مصري، و ينحدر من عائلة ذات ثقل سياسي وديني كبير؛ فهو حفيد حسن البنا (مؤسس جماعة الإخوان المسلمين في مصر) من جهة والدته وفاء البنا، ووالده هو سعيد رمضان (أحد أبرز قادة الجماعة والذي أسس المركز الإسلامي في جنيف).
يتمتع طارق رمضان بخلفية أكاديمية قوية جعلته واحداً من أبرز الوجوه الإسلامية في الغرب لعقود، ويحمل شهادة الدكتوراه في الدراسات العربية والإسلامية من جامعة جنيف، كما درس الفلسفة والأدب الفرنسي.
شغل مناصب مرموقة، أبرزها، أستاذ الدراسات الإسلامية المعاصرة في “جامعة أكسفورد” (المملكة المتحدة)، وأستاذ زائر في كلية الدراسات الإسلامية بجامعة حمد بن خليفة في قطر، وباحث أول في جامعة دوشيشا في اليابان.
ألّف عشرات الكتب والمقالات حول اللاهوت الإسلامي، ومسلمي الغرب، والفلسفة، وتُرجمت أعماله إلى لغات عديدة.
تمركز مشروع طارق رمضان الفكري حول فكرة جوهرية هي “الإسلام الغربي” أو “الإسلام الأوروبي” حيث دعا المسلمين المولودين في الغرب أو المقيمين فيه إلى الخروج من عقلية “الأقلية” أو “الضحية”، واعتبار أنفسهم مواطنين غربيين كاملي الأهلية.
جادل بأنه لا يوجد تعارض بين أن يكون المرء مسلماً ملتزماً ومواطناً أوروبياً أو أمريكياً فاعلاً يحترم قوانين بلده.
دعا إلى قراءة معاصرة للنصوص الإسلامية تتناسب مع السياق الغربي الحديث، بعيداً عن الفتاوى المستوردة من الدول الإسلامية.
قبل قضاياه القانونية الأخيرة، كان طارق رمضان شخصية شديدة الاستقطاب، اتهمه العديد من السياسيين والمفكرين الغربيين (مثل الصحفية كارولين فوريست) بأنه يتبنى خطاباً منفتحاً ومعتدلاً باللغات الأوروبية (الفرنسية والإنجليزية)، بينما يمرر رسائل أكثر تشدداً ورجعية لجمهوره المسلم بالعربية.
رغم نفيه الدائم للانتماء التنظيمي لجماعة الإخوان، إلا أن منتقديه كانوا يرون فيه امتداداً فكرياً متطوراً لمشروع جده حسن البنا.
شكل أواخر عام 2017 نقطة تحول جذرية (والتي تفسر وضعه الحالي في المحاكم والمستشفيات)، إذ بالتزامن مع انطلاق حركة (#MeToo)، تقدمت عدة نساء في فرنسا وسويسرا بشكاوى يتهمون فيها طارق رمضان بالاغتصاب، والاعتداء الجنسي، والاحتجاز.
أُجبر على أخذ إجازة مفتوحة من جامعة أكسفورد، وفقد مكانته كواجهة فكرية للإسلام في أوروبا.
تم توقيفه وسجنه احتياطياً في فرنسا عام 2018 لعدة أشهر، حيث تدهورت حالته الصحية (أُعلن عن إصابته بمرض التصلب المتعدد).
تحول من “نجم مفكر” إلى شخصية تقضي وقتها بين أروقة المحاكم (في باريس وجنيف) والمستشفيات، حيث لا تزال معاركه القانونية مستمرة حتى اليوم لإثبات براءته، في حين تصر المدعيات على إدانته.
خلاصة القول، طارق رمضان هو شخصية مركبة؛ كان لسنوات صوتاً أكاديمياً وفكرياً مؤثراً يدعو لاندماج مسلمي الغرب، لكنه تحول اليوم إلى شخصية محاطة بالجدل العميق والفضائح القانونية التي دمرت إرثه ومشروعه بالكامل تقريباً.

