لماذا يصر رؤساء الجزائر على تقليد بروتوكولات ملك المغرب في مراسم الاحتفالات ومواكب التنقلات رغم ادعائهم أنهم حكام جمهورية شعبية ؟؟

لماذا يصر رؤساء الجزائر على تقليد بروتوكولات ملك المغرب في مراسم الاحتفالات ومواكب التنقلات رغم ادعائهم أنهم حكام جمهورية شعبية ؟؟

عبدالقادر كتـــرة

حاول الرئيس الجزائري الراحل عبد العزيز بوتفليقة تقليد الملك الراحل الحسن الثاني ملك المغرب كما يحاول الرئيس الجزائري الخالي عبدالمجيد تبون تقليد موكب الملك محمد السادس والسجادات الحمراء الطويلة وترأس الاحتفالات الوطنية والدينية والاختلاط بالشعب (لكن في الجزائر وسط جيش من رجال الأمن بلباس مدني….) في مسرحيات رديئة ومبتذلة ترفع شعارات شعبوية كاذبة ومنافقة “من الشعب وإلى الشعب” بحثا عن شرعية ثورية مقابل الشرعية التاريخية الضاربة في القدم (قرون من التقاليد المخزنية)

فكيف يكرهون الملوك لكن يقلدونهم في كل شيء ويتمنون حياتهم ويسلكون سلوكهم ويتبعون بروتوكولاتهم؟

تثير هذه الملاحظات دائماً الكثير من النقاش في الأوساط السياسية والإعلامية، وهي تعكس تقاطعاً معقداً بين الرمزية السياسية، البحث عن الشرعية، والتنافس الإقليمي.

لتحليل هذه الظاهرة من منظور علم النفس السياسي والسوسيولوجيا، يمكن تلخيص الأسباب في النقاط التالية:

1. البحث عن “هيبة الدولة”

في النظم السياسية، يُستخدم البروتوكول كأداة لإظهار القوة والتمكن. يرى بعض المحللين أن الرؤساء الجزائريين، عبر استعارة طقوس ملكية (مثل السجاد الأحمر الطويل، المواكب الضخمة، والمراسم الدقيقة)، يحاولون إضفاء صبغة “القداسة” أو “الهيبة المطلقة” على منصب الرئيس. الهدف هو القول بأن “الجمهورية” ليست أقل شأناً من “الملكية” في الأبهة والفخامة.

2. التنافس المحموم (المرآة العاكسة)

بسبب الجوار الجغرافي والتاريخ المشترك، تحول المغرب في العقود الأخيرة إلى ما يشبه النموذج و”المرآة” للجزائر.

في علم الاجتماع، هناك مفهوم يسمى “محاكاة الخصم”؛ حيث يميل الطرفان المتنافسان لتقليد أدوات القوة لدى الآخر.

بما أن البروتوكول الملكي المغربي ضارب في القدم (قرون من التقاليد المخزنية) ويحظى بإعجاب دولي من حيث التنظيم، فإن الرئاسة الجزائرية تحاول أحياناً “عصرنة” صورتها بتبني معايير مشابهة لتبدو في نفس المستوى من “البرستيج” البروتوكولي.

3. عقدة الشرعية التاريخية مقابل الشرعية الثورية

– الملكية في المغرب: تستمد شرعيتها من الاستمرارية التاريخية والدينية (إمارة المؤمنين).

– النظام في الجزائر: يستمد شرعيته من “الشرعية الثورية” (جبهة التحرير).

عندما تبتعد الأجيال الجديدة عن عصر الثورة، يبحث النظام عن “شرعية بصرية” جديدة. هنا يقع التناقض: الخطاب الشعبي يتحدث عن “الجمهورية والبساطة”، لكن الممارسة البروتوكولية تبحث عن “العظمة” التي توفرها المظاهر الملكية، لتعويض غياب العمق التاريخي للمؤسسة الرئاسية مقارنة بالمؤسسة الملكية.

4. التناقض بين الخطاب والممارسة

الشعارات الشعبوية (“من الشعب وإلى الشعب”) تُستخدم عادة للاستهلاك الداخلي وحشد العواطف، بينما البروتوكول الملكي المقتبس يُستخدم في “الدبلوماسية الصورية”. هذا الانفصام يظهر جلياً في:

– بوتفليقة: كان متأثراً جداً بشخصية الحسن الثاني، وحاول محاكاة كاريزمته وطريقة تدبيره للمراسم لإظهار الجزائر كقوة إقليمية “عظمى”.

– تبون: يحاول عبر المواكب والسجاد الطويل إعطاء انطباع بأن “الجزائر الجديدة” استعادت هيبتها الدولية، حتى لو استدعى ذلك استعارة أدوات من جاره “اللدود”.

خلاصة القول، النفس البشرية والسياسية تميل أحياناً لتقليد ما تفتقده. الإصرار على البروتوكولات الملكية في نظام جمهوري هو محاولة لـ “ملكنة الجمهورية” ، أي الحصول على وقار الملوك مع الاحتفاظ بلقب الرئيس. هو صراع بين “الإيديولوجيا” التي ترفض الملكية، و”السيكولوجيا” التي تنبهر بجماليتها وقدرتها على فرض الاحترام.

عندما يرى المواطن أو المراقب الدولي فخامة الموكب المغربي، يشعر النظام في الجزائر بضرورة الرد بـ “فخامة موازية” لإثبات أنه ليس أقل شأناً.

الرئيس في نظام جمهوري “ثوري” قد يفتقر للكاريزما التاريخية التي يمتلكها الملك، فيلجأ المخططون لـ “تزيين” المشهد بالبروتوكول لتعويض هذا النقص ورفع قيمة الشخصية المركزية.

في عصر التواصل الاجتماعي، أصبحت “الصورة” هي الخبر. التقاط صورة لموكب رئاسي يشبه الموكب الملكي يهدف إلى خلق انطباع لدى الجمهور بأن الجزائر دولة “عظمى” تمتلك تقاليد بروتوكولية راسخة، حتى لو كانت مستعارة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *