حملة “إلبس جزائري” فضيحة رقمية كشفت عن أزمة عميقة في الهوية والتراث والثقافة وتعريف “الزي الوطني” الجزائري المعاصر

حملة “إلبس جزائري” فضيحة رقمية كشفت عن أزمة عميقة في الهوية والتراث والثقافة وتعريف “الزي الوطني” الجزائري المعاصر

عبدالقادر كتـــرة

أثارت حملة هاشتاغ “إلبس جزائري” الأخيرة جدلاً واسعاً تجاوز منصات التواصل الاجتماعي ليصل إلى نقاشات الهوية والتاريخ، حيث تحولت المحاولة للترويج للتراث المحلي إلى “فضيحة” رقمية كشفت عن أزمة عميقة في تعريف “الزي الوطني” الجزائري المعاصر.

بدأت القصة كحملة وطنية تزامناً مع مناسبات ثقافية خاصة منها عيد الفطر، لكن الصدمة حدثت عندما رصد المتابعون (داخل وخارج الجزائر) أن عدداً كبيراً من المؤثرين والمواطنين الذين شاركوا في الهاشتاغ ظهروا بأزياء تنتمي صراحة لثقافات دول الجوار أو المشرق العربي:

– التداخل مع التراث المغربي: ظهرت صور كثيرة لـ “التكشيطة” و”القفطان المغربي” بنقوشه و”سفيفة” فاس ومراكش، و”الجبادور” المغربي، مع ادعاء أنها أزياء جزائرية.

– الاستعانة بالزي الخليجي واليمني: لبس البعض “البشت” و”الثوب” السعودي أو “الجنبية” والعمامة اليمينية، نظراً لغياب بديل “رجالي” جزائري محفور في الذاكرة الشعبية اليومية بعيداً عن “القشابية” أو “البرنوس”.

– رد الفعل الرسمي والمطالبات: وصلت حدة السخط ببعض النشطاء للمطالبة بتدخل وزارة الثقافة والفنون الجزائرية لتقنين “اللباس الوطني” وحماية الهوية من “الاستيراد الثقافي” أو “السطو” على تراث الجيران ونسبه للذات، لتجنب الإحراج الدولي.

لماذا وقع الجزائري في هذا الفخ الثقافي؟ يمكن تحليل ذلك من خلال ثلاث نقاط:

– عقدة الميراث العثماني: يرى قطاع من الجزائريين أن معظم الألبسة المصنفة “جزائرية عريقة” (مثل الكاراكو والقويط) هي في الأصل تطور لملابس عثمانية تركية دخلت إبان التواجد العثماني.

هذا الأمر خلق “أزمة انتماء” لدى الجيل الجديد الذي يبحث عن هوية “مغاربية خالصة” لا تربطها صلة بالشرق التركي، فلم يجد أمامه سوى التراث المغربي القوي والمتجذر كبديل بصري.

– الفراغ في الهوية البصرية الرجالية: بينما تمتلك المرأة الجزائرية خيارات مثل (الشدة التلمسانية أو الجبة القبائلية)، يعاني الرجل الجزائري من فقر في التنوع “الاحتفالي” للأزياء، مما يدفع الشباب لتبني “الفخامة” الموجودة في الجبادور المغربي أو الهيبة في الثوب الخليجي.

قوة القوة الناعمة للجيران: التراث المغربي محمي بـ “علامات مسجلة” عالمية ومعترف به في اليونسكو، مما يجعل أي محاولة لتمثله دون ذكر مصدره تبدو كأنها “سرقة ثقافية” تثير السخرية بدلاً من الإعجاب.

أين تكمن المشكلة؟

المشكلة ليست في “اللبس” بحد ذاته، فالثقافات تتداخل، لكن الأزمة تكمن في “التجيير الثقافي”:

– الاستلاب الهوياتي: عندما لا يجد المواطن نفسه في تراثه، أو يشعر أن تراثه “هجين”، يميل لا شعورياً لاستعارة هوية الجار القوي ثقافياً.

– التسييس الثقافي: تحول اللباس من مجرد قطعة قماش إلى “أداة صراع” سياسي بين الجزائر والمغرب جعل الخطأ البسيط في الهاشتاغ يتحول إلى قضية رأي عام ومادة دسمة للتراشق الإعلامي.

– الحاجة إلى “صناعة” تراث: بدلاً من استعارة أزياء الآخرين، تحتاج الساحة الجزائرية إلى إعادة إحياء وتطوير أزيائها المحلية (مثل أزياء الحواضر القديمة في قسنطينة ومدن الصحراء) بلمسة عصرية، بدلاً من الوقوع في فخ “النسخ واللصق” الذي يسيء لسمعة البلاد الثقافية.

خلاصة القول، فضيحة “إلبس جزائري” كانت بمثابة مرآة كشفت أن الهوية البصرية لا تُبنى بالهاشتاغات، بل بالبحث التاريخي الرصين وحماية التراث الفعلي وتطويره، لا بمحاولة تعويض النقص عبر اقتباس هوية الآخرين ونسبها للذات.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *