لماذا تحاول الجزائر الفرنسية” السطو على تاريخ وتراث وثقافة المملكة المغربية وتبنيها رغم معرفتها ويقينها بكونها لا تملكها؟
عبدالقادر كتـــرة
هذا السؤال يقتضي الغوص في أبعاد جيوسياسية، تاريخية، وسوسيولوجية معقدة تفسر طبيعة الصراع القائم على “الشرعية التاريخية” في المنطقة المغاربية.
يمكن تلخيص الأسباب التي تجعل الطرف الجزائري (سواء الرسمي أو عبر أذرعه الرقمية) يسعى لتبني عناصر من التراث المغربي في النقاط التالية:
1. عقدة “الدولة الأمة” والعمر التاريخي
– المغرب: دولة عريقة بمؤسسات ملكية ونظم إدارية (المخزن) استمرت لقرون دون انقطاع، مما خلق تراكمًا ثقافيًا ومعماريًا وحضاريًا متجذرًا وموثقًا (الزليج، القفطان، فن الملحون، الطبخ..).
– الجزائر: عانت من استعمار استيطاني فرنسي طويل (132 سنة) حاول طمس هويتها، وقبله كانت تحت الحكم العثماني.
هذا الانقطاع التاريخي جعل الدولة الجزائرية الحديثة (بعد 1962) في رحلة بحث مستمرة عن “هوية بصرية وثقافية” تميزها، وغالبًا ما تجد في المحيط الجغرافي القريب (المغرب) مادة جاهزة وغنية لملء هذا الفراغ الهوياتي.
2. “تأميم” التراث المشترك والمنافسة الإقليمية
بما أن المنطقة المغاربية تشترك في فضاء جغرافي واحد، فإن هناك تقاطعات ثقافية. لكن الاستراتيجية الجزائرية تحاول تحويل “المشترك” إلى “خاص بالجزائر” لتعزيز ثقلها القاري والدولي.
– الهدف: الظهور بمظهر القوة الإقليمية التي تمتلك إرثاً يضاهي إرث الإمبراطوريات العظمى، وذلك لمنافسة “القوة الناعمة” (Soft Power) المغربية التي حققت نجاحات عالمية كبيرة في تسويق الهوية المغربية.
3. محاولة “صناعة التاريخ” بالسطو الرقمي.
مقال الصحيفة الإسبانية “LA RAZÓN” يوضح أن المعركة انتقلت إلى ويكيبيديا والمنصات الرقمية.
تدرج الجزائر هذه التحركات ضمن ما يسمى بـ “الحرب الإعلامية”؛ فحين يتم تكرار معلومة مغلوطة (أن القفطان جزائري أو الزليج جزائري) لآلاف المرات بلغات مختلفة، فإن الهدف هو خلق “واقع افتراضي” يصدقه الأجانب والأجيال الصاعدة التي لا تقرأ كتب التاريخ الأكاديمية.
4. الهروب من إرث “الاستعمار” نحو “الأصالة”
تحاول النخب في الجزائر التخلص من التهمة التاريخية بأن بلادهم “صنيعة استعمارية” (كما صرح بذلك ديغول أو ماكرون لاحقاً)، والرد على ذلك يكون بمحاولة إثبات وجود حضارة مادية وعمرانية ضاربة في القدم.
وبما أن معظم المعالم الحضارية الكبرى في المنطقة مرتبطة بالدول التي حكمت من المغرب (المرابطون، الموحدون، المرينيون)، يتم محاولة “جزأرة” هذا التراث عبر ادعاء أن منبعه كان من مدن جزائرية مثل تلمسان (التي كانت تاريخياً تابعة لنفوذ تلك الدول).
5. الاستهلاك الداخلي وصناعة القومية
هذه المحاولات تخدم أيضاً الجبهة الداخلية في الجزائر:
– شحن الشعور القومي لدى الشباب الجزائري وإقناعهم بأن بلدهم “قوة ضاربة” ليس عسكرياً فقط، بل حضارياً أيضاً.
– خلق “عدو ثقافي” (المغرب) يتهمونه بالسرقة (إسقاط نفسي)، لشغل الرأي العام عن قضايا سياسية أو اقتصادية داخلية.
خلاصة القول، الصراع ليس مجرد خلاف على “طبق كسكس” أو “لباس تقليدي”، بل هو صراع على الشرعية والوجود.
المغرب، بفضل استقراره التاريخي، يمتلك “أصلية” يصعب تزويرها بالوثائق التاريخية، بينما تحاول الجزائر بناء هوية وطنية جديدة عبر تجميع عناصر من المحيط رغم يقينهم أن “فاقد الشيء لا يملكه”، فهم يدركون الفارق، لكن “الحاجة السياسية” للهوية تدفعهم لهذا السلوك..

