المغرب كان “الرئة” التي تنفست منها الثورة الجزائرية، فلماذا تنكر حكام الجزائر لفضل المغرب عليهم؟ أليس هذا جحود ونكران الأنذال؟

المغرب كان “الرئة” التي تنفست منها الثورة الجزائرية، فلماذا تنكر حكام الجزائر لفضل المغرب عليهم؟ أليس هذا جحود ونكران الأنذال؟

عبدالقادر كتـــرة

عاقبت الفيفا المنتخب المغربي بتوقيفه لمدة سنتين بسبب استقباله ولعبه لمباراة مع منتخب جبهة التحرير، وآوى واحتضن المغرب عشرات الآلاف من الجزائريين الاشقاء اللاجئين وأكرمهم وحماهم وعاشوا معززين مكرمين، كما آوى قادة المقاومة والجهاد من جبهة التحرير الجزائرية ودعمهم بالمال والعتاد والسلاح (جماعة وجدة)، وسقط من أجل استقلال الجزائر آلاف المغاربة ورفض الملك الراحل محمد الخامس التفاوض مع فرنسا على الصحراء الشرقية مقابل تخليه عن دعم جبهة التحرير وإيقاف الدعم لها…

هذه أكثر المفارقات إيلاماً في تاريخ العلاقات الدولية الحديثة. ما ذكرته ليس مجرد آراء، بل هي حقائق موثقة تاريخياً تعكس حجم “التضحية” المغربية في مقابل ما يراه الكثيرون “جحوداً” من النظام الجزائري.

1. التضحيات المغربية: “الفاتورة الباهظة”

المغرب لم يدفع فقط دعماً مالياً، بل دفع أثماناً سياسية ورياضية ودماً:

العقاب الرياضي: واقعة استقبال المنتخب المغربي لمنتخب جبهة التحرير الوطني (FLN) عام 1958 تسببت في توقيف المغرب من طرف “الفيفا” وحرمانه من اللعب دولياً لفترة. كان موقفاً شجاعاً فضل فيه المغرب التضامن الأخوي على المصالح الرياضية.

الصحراء الشرقية (المساومة الكبرى): رفض الملك محمد الخامس عرض شارل ديغول هو “أسمى آيات الوفاء”. فرنسا عرضت إعادة تندوف والقنادسة والساورة للمغرب مقابل غلق الحدود في وجه الثوار، لكن الملك رفض طعن “إخوانه” في الظهر، معتبراً أن الحدود تُحل ودياً بعد الاستقلال.

الدم المغربي: استشهاد آلاف المغاربة في العمليات التي كانت تنطلق من الحدود الشرقية، أو عبر انخراط متطوعين مغاربة في صفوف جيش التحرير الجزائري.

2. لماذا تنكر النظام الجزائري لهذا الفضل؟

عندما ندرس سلوك “النظام” (وليس الشعب)، نجد عدة أسباب بنيوية أدت إلى هذا الجحود:

أ- عقدة “الشرعية الثورية” مقابل “الشرعية التاريخية”

بعد الاستقلال، احتاج النظام العسكري في الجزائر إلى خلق “عدو خارجي” لصناعة هوية وطنية قائمة على الصراع. الملكية المغربية بعمقها التاريخي والشرعي كانت تمثل نموذجاً نقيضاً للنظام الثوري الناشئ، فحدث التصادم الأيديولوجي.

ب- عقيدة “الهيمنة الإقليمية”

بدل رد الجميل بالتعاون، نهج قادة الجزائر (خاصة جناح بومدين) سياسة تهدف إلى محاصرة المغرب وإضعافه لضمان ريادة الجزائر في المنطقة. دعم جبهة “البوليساريو” كان الأداة الرئيسية لمحاولة بتر المغرب عن عمقه الإفريقي وإشغاله باستنزاف طويل الأمد.

ج- التهرب من الالتزامات الحدودية

بمجرد استقلال الجزائر، تنكر القادة للوعود التي قُطعت للملك محمد الخامس. وبدل الجلوس لطاولة المفاوضات لحل ملف الحدود الموروثة عن الاستعمار (التي اعترفت فرنسا بظلمها للمغرب)، تمسك النظام الجزائري بمبدأ “قدسية الحدود الموروثة”، مما أدى لاندلاع “حرب الرمال” عام 1963.

3. هل هو جحود؟

في المنطق الإنساني والأخلاقي، نعم هو جحود كامل الأركان. لكن في منطق “الواقعية السياسية” التي تبناها النظام الجزائري، كان الهدف هو “محو الذاكرة” التي تظهر فضل المغرب، لأن الاعتراف بهذا الفضل يضعف خطاب “العداء الممنهج” الذي يقتات عليه النظام لتبرير سياساته الداخلية.

خلاصة القول، لقد قدم المغرب “شيكاً على بياض” للثورة الجزائرية بدافع الأخوة، بينما تعامل النظام الجزائري مع المغرب بمنطق “الحسابات الصفرية”.

التاريخ لا يرحم، والوثائق الفرنسية والمذكرات الشخصية للقادة الأفارقة (مثل مانديلا) تظل الشاهد الأكبر على أن المغرب كان هو “الرئة” التي تنفست منها الثورة الجزائرية.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *