فارق جوهري في تعامل كل من الرباط والجزائر مع زيارات بابوية بهذا الحجم، بين استراتيجية تعتمد على “بناء مؤسسات القوة الناعمة” وأخرى على “اقتناص اللحظة الإعلامية”

فارق جوهري في تعامل كل من الرباط والجزائر مع زيارات بابوية بهذا الحجم، بين استراتيجية تعتمد على “بناء مؤسسات القوة الناعمة” وأخرى على “اقتناص اللحظة الإعلامية”

عبدالقادر كتـــرة

المقارنة بين زيارة البابا فرنسيس للمغرب (مارس 2019) والزيارة المرتقبة للبابا ليون الرابع عشر للجزائر (أبريل 2026) تكشف الكثير عن العقيدة الدبلوماسية للبلدين:

1. المقاربة المغربية: الدبلوماسية الروحية كقوة ناعمة “مُهيكلة”

أدار المغرب زيارة البابا فرنسيس بصفته فاعلاً إقليمياً ودولياً يمتلك مشروعاً واضحاً، ولم يتعامل مع الزيارة كغاية في حد ذاتها، بل كأداة لتعزيز استراتيجية أوسع:

الندية الروحية (إمارة المؤمنين): استقبل الملك محمد السادس البابا ليس فقط كمسؤول سياسي، بل بصفته “أمير المؤمنين”. هذا التموقع السيميائي والسياسي سمح للمغرب بمحاورة الفاتيكان بندية روحية، مقدماً نفسه كعاصمة عالمية للإسلام المعتدل وصمام أمان روحي في مواجهة التطرف.

المأسسة والاستدامة: لم تقتصر الزيارة على الصور التذكارية. الحدث الأبرز كان زيارة البابا لـ “معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات”. هذا المعهد ليس واجهة إعلامية، بل هو أداة جيوسياسية فعلية تُصدّر الاستقرار الروحي إلى عشرات الدول الإفريقية (مثل مالي والسنغال ونيجيريا) وحتى الأوروبية، مما يجعل المغرب شريكاً أمنياً وروحياً لا غنى عنه دولياً.

الأجندة الجيوسياسية (نداء القدس):

استثمر المغرب الزيارة لتمرير مواقف استراتيجية ثقيلة، تجلت في توقيع الملك والبابا على “نداء القدس” الذي يؤكد على الطابع الخاص للمدينة كأرض للديانات الثلاث. هذا أعطى للمغرب وزناً تفاوضياً في واحد من أعقد ملفات الشرق الأوسط.

2. المقاربة الجزائرية: الزيارة كـ “علاقات عامة” (PR) وتوظيف دفاعي

في المقابل، تتعامل الدبلوماسية الجزائرية مع زيارة “البابا ليون” الرابع عشر القادمة من منطلق “الاحتياج” وليس “المبادرة”:

غياب الثقل الروحي الموازي:

تفتقر المؤسسة الرئاسية الجزائرية إلى العمق الديني أو التاريخي الذي يسمح لها بإنتاج خطاب روحي عابر للحدود. الاستقبال ذو طابع بروتوكولي سياسي بحت، مما يفقد الزيارة بُعد “حوار الأديان المؤسساتي” ويحصرها في خانة المجاملات الدبلوماسية.

الحدث الظرفي بدلاً من المشروع المستدام: التركيز الجزائري ينصب على “تأمين الحدث” وتغطية زيارة البابا لمدينة عنابة (هيبون) لاستحضار القديس أوغسطينوس. لا توجد مشاريع موازية أو مبادرات إقليمية يتم إطلاقها لتستمر بعد مغادرة طائرة البابا. بمجرد انتهاء الزيارة، ينتهي أثرها.

الدبلوماسية الدفاعية: الهدف الأساسي محلياً هو إنتاج صورة تُصدر للداخل وللجوار بأن “الجزائر ليست معزولة”، وهو استخدام دفاعي بحت لحدث يمتلك طابعاً روحياً/تاريخياً صرفاً، في محاولة للتعويض عن تراجع النفوذ الجزائري في الساحل الإفريقي والملفات الإقليمية المجاورة.

النموذج المغربي (2019): تكريس الريادة الإقليمية وتصدير نموذج الاستقرار الروحي (إفريقيا/أوروبا)؛ لقاء بين مرجعيتين روحيتين (أمير المؤمنين والبابا؛، إعلانات جيوسياسية (نداء القدس) ومؤسسات مستدامة (معهد تكوين الأئمة).

النموذج الجزائري (2026): فك العزلة الدبلوماسية المؤقتة واستهلاك الحدث إعلامياً للداخل؛ لقاء سياسي بروتوكولي بامتياز؛ تغطية إعلامية مكثفة لزيارة تاريخية/شخصية للبابا تنتهي بانتهاء الزيارة.

خلاصة القول، الفرق الحقيقي يكمن في أن دولة توظف وزنها التاريخي لبناء مسارات نفوذ مستقبلية، بينما تحاول أخرى التمَّسح بحدث عابر لإثبات وجودها على الساحة الدولية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *