امتحانات الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع بجهة الشرق.. حياد اللجنة على محك المساءلة

امتحانات الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع بجهة الشرق.. حياد اللجنة على محك المساءلة

تتواصل موجة الجدل التي رافقت مباريات التوظيف التي أعلنت عنها الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع بجهة الشرق، وذلك عقب نشر لائحة المقبولين لاجتياز الاختبارات الكتابية المقررة يوم 20 فبراير، في سياق يتسم بحساسية سياسية ومؤسساتية متزايدة. وبين تأكيدات رسمية باحترام المساطر القانونية، واتهامات بتفصيل المناصب على مقاس أسماء بعينها، برز سؤال جوهري يتعلق بمدى حياد اللجنة المشرفة على العملية برمتها.

انطلقت أول مؤشرات الجدل مع إعلان لائحة المقبولين، حيث عبر عدد من المترشحين المقصيين عن استغرابهم مما وصفوه بغياب معايير واضحة ومفصلة تبرر عدم قبول ملفاتهم. وطالب هؤلاء بالكشف عن نقط الانتقاء ومعايير التنقيط المعتمدة خلال مرحلة دراسة الملفات، معتبرين أن الشفافية في هذه المرحلة تشكل الضامن الأساسي لنزاهة ما يليها من اختبارات.

ويرى متتبعون أن الاقتصار على نشر لائحة الأسماء دون إرفاقها بسلم تنقيط مفصل أو توضيحات منهجية بشأن كيفية ترتيب الملفات، يضعف صورة الحياد المفترض في اللجنة، حتى وإن كانت الإجراءات مستوفية للشروط القانونية من الناحية الشكلية.

من حيث المبدأ، تخضع مباريات التوظيف بالمؤسسات العمومية لقواعد دستورية وقانونية تؤطرها مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص والشفافية. كما يفترض في لجان الانتقاء أن تتشكل وفق معايير تضمن الاستقلالية وتفادي تضارب المصالح، مع الالتزام بالموضوعية في تقييم المؤهلات والخبرات.

غير أن الانتقادات المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي ذهبت إلى أبعد من ذلك، إذ تحدثت عن تقاطعات مفترضة بين بعض الأسماء المنتقاة ودوائر مقربة من رئيس مجلس الجهة.

ويؤكد خبراء في الحكامة أن حياد اللجنة لا يقاس فقط بسلامة تشكيلها القانوني، بل أيضا بمدى قدرتها على إثبات استقلال قرارها من خلال الشفافية الاستباقية، ونشر المعايير، وتوضيح منهجية التنقيط، وتمكين المترشحين من الاطلاع على نتائجهم المفصلة.

أحد أوجه الجدل تمثل في نقل تدبير بعض المناصب من مجلس الجهة إلى الوكالة، وهو ما اعتبره متتبعون خطوة قد تستغل لتمرير توظيفات لفائدة مقربين من دوائر القرار بمجلس الجهة.

غير أن هذا النقاش يعيد طرح مسألة الحياد المؤسسي: فكلما تداخل البعد السياسي مع الإداري، تعاظمت الحاجة إلى تحصين لجان الانتقاء بضمانات إضافية، سواء عبر إشراك أعضاء مستقلين، أو اعتماد آليات رقابة خارجية، أو نشر تقارير تقييم مفصلة عقب كل مرحلة.

قانونيا، يظل باب الطعن الإداري والقضائي مفتوحا أمام كل مترشح يرى أن مبدأ تكافؤ الفرص لم يحترم. لكن الحفاظ على الثقة في المؤسسات لا يتحقق فقط عبر تمكين المتضررين من سلوك مساطر الطعن، بل أساساً عبر تجنب الوصول إلى هذه المرحلة من خلال وضوح التواصل والشفافية المسبقة.

وتشكل اختبارات 20 فبراير محطة حاسمة ليس فقط للمترشحين الباحثين عن فرصة عمل في ظرفية اقتصادية دقيقة، بل أيضاً للمؤسسات الجهوية التي تجد نفسها أمام اختبار فعلي لمدى قدرتها على تدبير ملف التوظيف بمعايير مهنية صرفة، بعيدا عن التجاذبات السياسية أو الانطباعات السلبية.

في ظل استمرار الجدل، يبدو أن تعزيز صورة الحياد يمر عبر خطوات عملية، من بينها: نشر معايير الانتقاء بشكل تفصيلي، تمكين المترشحين من الاطلاع على نقطهم، توضيح تركيبة اللجنة وسيرتها المهنية، وتقديم توضيحات رسمية بشأن أي لبس أثير حول تضارب المصالح.

وبين تأكيدات باحترام القانون وتشكيك صادر عن بعض الفاعلين، يبقى الرهان الأساس هو ترسيخ ثقافة ربط المسؤولية بالمحاسبة، وجعل الشفافية ممارسة يومية لا مجرد شعار. فحياد اللجنة المشرفة على امتحانات التوظيف ليس مسألة إجرائية فحسب، بل هو حجر الزاوية في حماية مبدأ تكافؤ الفرص وصون ثقة المواطنين في مؤسساتهم الجهوية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *