ليبيا تحتضن المناورات العسكرية الأمريكية الليبية “فلينتلوك 2026”: مبادرة لعملية توحيد ليبيا ورسالة تحذير للجزائر
عبدالقادر كتـــرة
بدأت ليبيا العدّ التنازلي لمناورات “فلينتلوك 2026” وسط توقعات بأن تسهم في دفع جهود توحيد المؤسسة العسكرية، إذ ستشهد مشاركة قوات من الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر إلى جانب قوات من غرب البلاد.
وتنظم هذه المناورات قوات القيادة الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم)، ومن المقرر أن يشارك فيها نحو 1500 جندي من أكثر من 30 دولة. ويأتي هذا التحرك في ظل ضغوط أمريكية لدفع عملية توحيد الجيش الليبي وتعزيز الاستقرار العسكري في البلاد.
مناورات “فلينتلوك” هي تدريبات عسكرية سنوية تعد مناورات رئيسية للقيادة الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) لقوات العمليات الخاصة، وتهدف إلى تعزيز التعاون بين الدول الشريكة في مكافحة الإرهاب وتبادل المعلومات .
للمرة الأولى، تستضيف ليبيا أحد المحاور الرئيسية لهذه المناورات في ربيع 2026، إلى جانب كوت ديفوار. المحور الليبي سينطلق من مدينة سرت بمشاركة قوات من الشرق والغرب معاً .
القيادة الأمريكية تؤكد أن إدراج ليبيا يأتي لدعم “الجهود الليبية لتوحيد مؤسساتها العسكرية” وإنهاء الانقسام بين الشرق والغرب. وقد أعلن الفريق أول “جون برينان”، نائب قائد أفريكوم، أن المناورات ستعمل على “تجاوز الانقسامات وبناء القدرات” .
في فبراير 2026، عقد “برينان” اجتماعات مع رئيس الأركان الليبي الفريق أول محمد الحداد ورئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، كما التقى بالفريق أول Saddam Haftar في سرت، مما يؤكد انخراط الجانبين معاً .
العلاقة بين الجزائر وهذه المناورات لها تاريخ معقد يكشف أن الجزائر كانت شريكاً سابقاً، لكنها انسحبت لاحقاً، بعد أن سجلت مشاركة سابقة لعدة سنوات (2005-2009) ضمن مبادرة مكافحة الإرهاب في الصحراء الكبرى .
يرجع السبب الخلاف القانوني (2005) إلى وثائق مسربة تكشف أن الجزائر رفضت التوقيع على اتفاقية وضع القوات (SOFA) التي تطالب بها واشنطن لحماية جنودها المشاركين، بسبب “قيود قانونية داخلية” .
هذا الرفض خلق عائقاً قانونياً حال دون استمرار المشاركة بالشكل الذي ترغبه واشنطن، حيث توقفت المشاركة مع تصاعد الخلافات السياسية لاحقاً (خصوصاً حول ليبيا والتدخلات الغربية)، وتوقفت الجزائر عن المشاركة في هذه المناورات بشكل تدريجي.
هل هذه المناورات الأمريكية الليبية تحذير للجزائر؟
وجود قوات أمريكية قرب الحدود الليبية الجزائرية (سرت تبعد حوالي 1000 كلم عن الحدود) يُقرّب التواجد العسكري الأمريكي من العمق الجزائري:
– الهدف المعلن من “أفريكوم” هو توحيد الجيش الليبي، وهو أمر يصب في مصلحة استقرار ليبيا وجيرانها.
– استقبال واشنطن للجنرال خليفة حفتر وقادة من الشرق والغرب معاً يعني تجاوزاً للفيتو الجزائري التقليدي تجاه التعامل مع حفتر.
– مشاركة قوات من الشرق والغرب معاً تهدف لبناء جيش ليبي موحد قادر على مواجهة التنظيمات الإرهابية وحماية حدوده .
– غياب الجزائر عن هذه المناورات (بينما تشارك دول أخرى) يضعف موقعها التفاوضي في الملف الليبي مستقبلاً.
واشنطن تؤكد أن المناورات تأتي ضمن تعديل حظر الأسلحة الأممي في يناير 2025 الذي سمح بالتدريب لأغراض التوحيد .
لا يمكن القول إن المناورات “موجهة ضد الجزائر” بشكل مباشر، لكنها تُحدث تغييراً في موازين القوى قد لا يصب في صالح النفوذ الجزائري.
حضور واشنطن بقوة على الأرض الليبية وبالتنسيق مع الطرفين معاً يعني أن الحل الليبي لن يكون حكراً على جواره المباشر، وأن الولايات المتحدة تعيد تموضعها كورقة ضغط رئيسية في الملف.
ماذا يعني هذا للجزائر؟
زيارة “تياني” للجزائر قبل أيام وإعادة ضبط العلاقة مع دول الساحل تأتي في توقيت حساس للغاية. فبينما تعيد الجزائر تموضعها جنوباً (في الساحل)، تجد واشنطن تتحرك شرقاً (في ليبيا).
الجزائر اليوم أمام خيارين، أولهما، التكيف مع الواقع الجديد: عبر الدخول في حوار مع واشنطن حول الضمانات القانونية (SOFA) التي رفضتها سابقاً، للمشاركة مجدداً في هذه التدريبات وثانيهما، الاعتماد على التحالفات البديلة: تعزيز التعاون مع روسيا والصين في الملف الليبي، وهو ما قد يضعها في مواجهة غير مباشرة مع الاستراتيجية الأمريكية.
للإشارة، الرهان الأكبر هو أن واشنطن لا تريد استعداء الجزائر، بل تريد إشراكها بشكل غير مباشر عبر الضغط على حلفائها في الشرق والغرب للقبول بحل توافقي.

