إسرائيل تختار “الكابتن إيلا” أول ضابطة مسلمة عربية ناطقة رسمية عسكرية جديدة باللغة العربية، خلفاً للعقيد “أفيخاي أدرعي” لتمرير رواية الجيش الإسرائيلي

إسرائيل تختار “الكابتن إيلا” أول ضابطة مسلمة عربية ناطقة رسمية عسكرية جديدة باللغة العربية، خلفاً للعقيد “أفيخاي أدرعي” لتمرير رواية الجيش الإسرائيلي

عبدالقادر كتـــرة

أعلنت إسرائيل يوم الثلاثاء 3 فبراير 2026 تعيين الرائدة (الميجور) “إيلا واوية” (36 عاماً)، المعروفة على وسائل التواصل الاجتماعي باسم “الكابتن إيلا”، كمتحدثة عسكرية جديدة باللغة العربية، خلفاً للعقيد أفيخاي أدرعي الذي شغل المنصب لمدة 20 عاماً.

“واوية” هي ضابطة مسلمة وعربية (من الأقلية العربية داخل إسرائيل) وسيتم ترقيتها إلى رتبة مقدم (ليوتينانت كولونيل) عند توليها مهامها الرسمية، مما يجعلها الضابطة المسلمة الأعلى رتبة في الجيش الإسرائيلي.

تنحدر “واوية” من مدينة قلنسوة ذات الأغلبية العربية في إسرائيل. تطوعت للخدمة في الجيش في عمر 24 عاماً، وكانت أول امرأة من منطقتها تنضم للجيش الإسرائيلي، وقد أخفت قرارها عن عائلتها في البداية بسبب النظرة السلبية للموضوع في مجتمعها.

حاصلة على ماجستير في التسويق الحكومي والسياسي، وانضمت إلى جهاز الناطق العسكري منذ البداية.

اشتهرت عبر إنشاء حسابات على تيك توك وإنستغرام وإكس (تويتر) تحت اسم “الكابتن إيلا”، حيث تنشر محتوى باللهجة العربية والعبرية لتمرير رواية الجيش الإسرائيلي، وقد تجاوز متابعوها نصف مليون.

صرحت “واوية” في مقابلات سابقة بأنها عانت من “معضلة هوية” في صغرها، لكنها قررت عند حصولها على بطاقة الهوية في سن 16 أن “تفعل شيئاً” بكونها إسرائيلية.

وتقول إن رسالتها تهدف إلى عرض “الحقيقة” عن الجيش الإسرائيلي للعالم العربي، خاصة فيما يتعلق بأحداث مثل هجمات 7 أكتوبر، وتصف مجال الإعلام بأنه “ساحة معركة”. كما أعربت عن أملها في أن “تشبهها فتيات غزة” وتحققن النجاح التعليمي.

يشكل تعيين “واوية” خطوة اتصالية وسياسية تحمل عدة رسائل وتتم في سياق معقد. فيما يلي تحليل لأبعادها الرئيسية، إذ جاء تعيينها خلفاً للعقيد “أفيخاي أدرعي”، الذي ارتبط اسمه بالتحذيرات التي تسبق الغارات الجوية على غزة ولبنان وكان استخدامه للهجات العربية والمراجع الدينية يُنظر إليه أحياناً على أنه استفزازي أو ساخر. انتخاب ضابطة مسلمة وعربية المولد يهدف إلى تقديم وجه أقل إثارة للجدل وأكثر “أصالة” في التواصل.

ويمثل تعيين “واوية” تطوراً في استراتيجية الدعاية الإسرائيلية (“الهسبارا”)، التي تهدف إلى تقديم رواية إسرائيل وتفنيد الانتقادات. هي تجسد انتقال هذه الاستراتيجية إلى عصر “الحرب الإعلامية” على منصات التواصل الاجتماعي، باستخدام لغة شبابية ومباشرة ومحتويات قصيرة (فيديو) تنشر باللهجة العربية الدارجة لجذب الجمهور العربي الشاب خارج الإطار الإعلامي التقليدي.

رسائلها ليست موجهة فقط للعالم العربي الخارجي أو الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، بل أيضاً للمواطنين العرب داخل إسرائيل (وهم نحو 20% من السكان)، في محاولة لتعزيز شرعية الجيش وقراراته بينهم.

كما يقدم التعيين نفسه كعلامة على انفتاح المؤسسة الإسرائيلية وإدماج مواطنيها العرب، خصوصاً أن التجنيد الإجباري لا يسري عليهم والخدمة اختيارية. في 2020، لم يكن هناك سوى 606 مجند عربي مسلم في الجيش الإسرائيلي.

ويأتي الإعلان قبل أشهر من انتخابات تشريعية متوقعة في أكتوبر 2026، وفي وقت أعلنت فيه الكتل السياسية العربية استعدادها للانضمام لتحالفات حكومية.

قد يكون الهدف استعراض “الاندماج” لكسب أصوات وسط الناخبين اليهود، أو تهدئة التوترات المجتمعية.

من جهة أخرى، تواجه “واوية” انتقادات حادة على وسائل التواصل من داخل مجتمعها العربي، حيث يتهمها البعض بـ “الخيانة” أو العمالة، ويذكرونها بانتمائها الأصلي.

هذا يعكس الهوة والاستقطاب الهوياتي العميق داخل المجتمع العربي الإسرائيلي بين من يقبلون بالاندماج ضمن الهوية الإسرائيلية وبين من يرفضونه.

من جهة ثانية، يتم التعيين في ظل استمرار جرائم العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، والتي أدت منذ أكتوبر 2023 إلى سقوط عشرات الآلاف من الضحايا الفلسطينيين وتدمير هائل حسب مصادر فلسطينية ودولية.

دورها سيكون بالغ الحساسية في تبرير هذه العمليات العسكرية العدوانية الاسرائلية على فلسطينيي غزة العزل والتأثير على الرأي العام العربي الذي يرى فيها عدواناً غاشما.

من جهة ثالثة، تحاول إسرائيل من خلال هذا التعيين تغيير الصورة العنيفة المرتبطة بالحرب، وتقديم وجه “ناعم” و”متحضر” و”متعدد الثقافات” في مواجهة الصور المأساوية القادمة من غزة.

خلاصة القول، تعيين “إيلا واوية” ليس حدثاً عادياً في سلم الوظائف العسكرية. هو خطاب سياسي متعدد الطبقات، كأداة اتصال تهدف إلى كسر حاجز اللغة والثقافة وجعل الرسالة العسكرية الإسرائيلية أكثر قبولاً، أو على الأقل أقل رفضاً، لدى المتلقي العربي.

وكرمز داخلي حيث تريد إسرائيل عرض نموذج للاندماج “الناجح” للمواطن العربي الذي يختار الهوية الإسرائيلية بكل ما فيها من مؤسسات، بما فيها الجيش، متجاوزاً “معضلة الهوية”.

ثم كاستمرارية استراتيجية: مع تغيير الوجه واللغة، يبقى الهدف الجوهري هو خدمة الرواية الأمنية والسياسية الإسرائيلية، وتبرير سياساتها في منطقة تعتبر فيها إسرائيل طرفاً محتلًا ومتحكماً من وجهة نظر العرب والفلسطينيين.

باختصار، تمثل “الكابتن إيلا” محاولة إسرائيلية ذكية لخوض معركة الرواية بلغة الخصم ولهجته وربما حتى بمظهره، لكنها تواجه تحدياً جوهرياً يتمثل في الهوة الهائلة بين خطابها “المتحضر” وبين الواقع الدامي والمأساوي على الأرض، خاصة في غزة.

نجاحها في مهمتها لن يقاس بعدد المتابعين، بل بقدرتها على تحويل التعاطف أو تقليل العداء تجاه سياسات عدوانية ظالمة، تبقى في جوهرها مثيرة للجدل والرفض على نطاق واسع في العالم العربي وأغلب دول العالم.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *