رضوخ النظام العسكري الجزائري لفرنسا لاستقبال المهاجرين غير الشرعيين تحت غلاف “العفو” مع تهديد المعارضين للنظام
عبدالقادر كتـــرة
في 11 يناير 2026، أعلن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال جلسة لمجلس الوزراء تدبيراً استثنائياً يهدف إلى إعادة “الشباب الجزائريين الموجودين في الخارج في وضع غير نظامي وهش” إلى البلاد.
يعتمد هذا القرار على مرسوم يسمح لهم بتسوية أوضاعهم حيث تشير التصريحات الرسمية الصادرة عن الرئاسة إلى أن هؤلاء الشباب تم “تضليلهم عمداً” من قبل أفراد أرادوا “الإضافة بمصداقية الدولة باستغلالهم في الخارج ضد بلدهم”.
وبشكل ملحوظ، فقد أقرت هذه التصريحات بأن بعض هؤلاء الشباب فروا بسبب “مخاوف من استدعاء بسيط من قبل الشرطة أو الدرك الوطني للاستماع إليهم بشأن وقائع تتعلق بالنظام العام أو دوافع أخرى مماثلة”، وهو ما فسره مراقبون بأنه اعتراف ضمني بدور المضايقات الأمنية في دفع بعضهم للهروب عبر “الحرقة” (الهجرة غير النظامية) بدلاً من الاستجابة لتلك الاستدعاءات المتعلقة بما يمكن اعتباره “جرائم رأي”.
يستهدف الإجراء عشرات الآلاف من الجزائريين الذين غادروا البلاد عبر “الهجرة السرية (الحرقة)” ويعيشون بدون أوراق ثبوتية في الخارج، وخصوصاً في أوروبا. ويهدف إلى منحهم جوازات سفر جديدة عبر القنصليات الجزائرية في الخارج.
لكن الإجراءات تستثني بوضوح من ارتكب “جرائم دم” أو تورط في “اتجار بالمخدرات أو الأسلحة”، وكذلك “أي شخص تعاون مع أجهزة أمن أجنبية بهدف الإضرار ببلده”.
وفقاً لمنظمة الهجرة الدولية، وصل حوالي 54,000 جزائري إلى أوروبا بين عامي 2020 و2024. وفي عام 2025 وحده، وصل أكثر من 9,500 جزائري إلى إسبانيا بحراً.
رغم الإعلان، تشير تحليلات إلى تحديات كبيرة قد تحول دون تجاوب كبير لعدم الثقة والخوف من الملاحقة حيث يسود تخوف كبير بين المهاجرين غير النظاميين من أن يكون الإجراء “فخاً” وأن يعرضهم للاعتقال أو المضايقات القضائية فور عودتهم إلى الجزائر، خاصة وأن “الحرقة” نفسها جريمة معاقب عليها بالسجن حتى 6 أشهر في القانون الجزائري منذ 2009.
يضاف هذا إلى غياب الحوافز الاقتصادية حيث إن كثيرا ممن غادروا كانوا يبحثون عن “حياة جديدة” وفرص أفضل، في حين أن الوضع الاقتصادي والاجتماعي في الجزائر، مع ارتفاع معدل بطالة الشباب عن 30% وتدهور القدرة الشرائية، لا يشجع على العودة.
هؤلاء الأشخاص عالقون في وضعية غير نظامية مزدوجة: في بلد الإقامة (حيث يواجهون أوامر بمغادرة الأراضي) وفي بلدهم الأصلي (حيث غادروا بشكل غير قانوني).
إعلان الرئيس تبون لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق السياسي والقانوني المتشدد الذي تشهده الجزائر، والذي يطرح تساؤلات حول دوافع ومغزى هذا التدبير “الاستثنائي”.
على الجانب الفرنسي، توجد ضغوط ونقاش داخلي حول الهجرة والعلاقات مع الجزائر، لكنها لا تشير إلى وجود “صفقة”:
·صوتت الجمعية الوطنية الفرنسية مؤخرًا على قرار إنهاء اتفاقية 1968 التي تنظم دخول وإقامة الجزائريين في فرنسا، بدعوى أنها تمنحهم وضعًا “استثنائيًا”.
خلال النقاش البرلماني الفرنسي، اشتكى نواب من أن الجزائر ترفض في بعض الأحيان استعادة مواطنيها المطلوب ترحيلهم من فرنسا، مما يعقد سياسة الإبعاد الفرنسية. كما أشار تقرير لمجلس الشيوخ الفرنسي إلى أن “توقف التعاون القنصلي الجزائري منذ مارس 2025 قد عقد بشكل كبير إبعاد الجزائريين”، الذين يمثلون 40% من المحتجزين في مراكز الاحتجاز.
هذا النقاش يحدث في وقت تشدد فيه الاتحاد الأوروبي سياسته تجاه الهجرة غير النظامية، مما يضع فرنسا تحت ضغط إضافي للتحكم في تدفقات المهاجرين.
إجراءات النظام الجزائري لها صلة برصوخه لضغوطات فرنسا التي تعتزم تشديد العلوبات هلى المسؤولين الجزائريين وأسرهم وأبنائهم وترواتهم.
لهذا حاول اانظام الجزائري إيجاد مخرج لورطته وأصبح يصف المهاجرين كـ”ضحايا” تم “تضليلهم واستغلالهم” من قبل أطراف خارجية لتشويه صورة الدولة. هذه الرواية تتنصل من أي مسؤولية حكومية وتُحمّل “الآخر” الخارجي عبء الأزمة.
في الوقت نفسه، يتضمن النص الرسمي إقراراً غير مسبوق في عهد تبون بأن بعض هؤلاء الشباب فروا خوفاً من “استدعاءات أمنية” لأسباب مرتبطة بآرائهم.
هذا الاعتراف، وإن كان جزئياً ومغلفاً بلغة قانونية، يفتح نافذة على سبب رئيسي للهرب يتم التعتيم عليه عادةً، ألا وهو المناخ السياسي الخانق والمضايقات التي يتعرض لها النشطاء والشباب.
يظهر القرار بشكل واضح كجزء من إستراتيجية حكومية أوسع للتعامل مع الشتات الجزائري، تقوم على محورين متعارضين ظاهرياً.
الأول محور “التسوية والاستيعاب”: تمثله دعوة العودة الحالية، والتي تبدو كـ”يد ممتدة” إنسانية تجاه فئة محددة (الشباب “الضحية” غير المتورطين في قضايا خطيرة).
والثاني محور “التجريد والتخويف”: وهو ما تجسد في تعديل قانون الجنسية الذي أقره البرلمان الجزائري في 24 ديسمبر 2025 (قبل أقل من ثلاثة أسابيع من إعلان تدبير العودة). هذا التعديل يسهل سحب الجنسية الجزائرية، خصوصاً من حاملي الجنسيات المزدوجة، بتهم واسعة مثل “الإضرار بأمن الدولة أو وحدتها” أو “إعلان الولاء لقوة أجنبية” أو “المشاركة، بما في ذلك الدعم المالي أو الدعائي، في منظمات إرهابية أو تخريبية في الخارج”. هذا القانون يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه أداة لردع وقمع المعارضين السياسيين في الخارج، وخاصة نشطاء الحراك (هيراك) وأصوات المنفى.
من جهة، التوقيت المتقارب بين إصدار قانون التجريد من الجنسية وإعلان دعوة العودة يوحي بأنهما وجهان لعملة واحدة.
قد تكون الدوافع المركبة للسلطة، تحسين الصورة والضغط الدولي: قد يكون الهدف تحسين صورة الجزائر أمام شركائها الأوروبيين، الذين يطالبون باستعادة مواطنيهم غير النظاميين (المعرضين لـ”أوامر مغادرة الأراضي” في دول مثل فرنسا).
كما أنه محاولة لاحتواء الضجة الإعلامية السلبية حول قصص الهجرة الخطرة، مثل قصة المراهقين السبعة الذين وصلوا إلى إيبيريا في 2025.
من جهة ثانية، محاولة لإعادة استقطاب فئة لم تعد تشكل تهديداً سياسياً مباشراً (شباب عالق في الفقر بالخارج) بينما يتم تهديد الفئة التي تعتبر معارضة وناشطة سياسياً (من خلال قانون التجريد من الجنسية).
من جهة أخرى، قد يكون الإجراء بمثابة “فلتر” لمعرفة من هم على استعداد للعودة والخضوع للسلطة، مقابل من يصر على البقاء في المعارضة من الخارج ويكون بالتالي هدفاً محتملاً لقانون التجريد.
أثار قانون التجريد من الجنسية انتقادات حادة من منظمات حقوقية وسياسيين معارضين. فهو يتهم بتوفير أداة قمعية، لاستهداف النشطاء والصحفيين في المنفى تحت ذرائع واسعة وغير محددة المعالم مثل “الإضرار بوحدة الدولة”.
انتهاك السلطات الجزائرية المعايير الدولية حيث تعتبر الجنسية حقاً أساسياً، ولا يجوز سحبه بشكل تعسفي. كما أن الصياغة الفضفاضة للقانون لا توفر ضمانات قضائية كافية ضد التطبيق التعسفي.
تكريس الخلط بين النظام والدولة حيث يُجرم أي نقد أو معارضة للنظام الحاكم باعتباره “عداءً للدولة” نفسها، مما يقوض حرية التعبير حتى خارج الحدود.
خلاصة القول، قرار الرئيس تبون بتسوية أوضاع الشباب المهاجرين غير النظاميين يأتي في لحظة سياسية معقدة. من السهل تقديمه كبادرة إنسانية وتصالحية، لكن وضعه في سياق قانون التجريد من الجنسية المتشدد يكشف عن رؤية أمنية شاملة للتعامل مع الجزائريين خارج البلاد.
هذه الإستراتيجية المزدوجة تقدم صفقة واضحة: العفو المشروط (وليس الحق) لمن يقبل بالعودة بصمت وتحت شروط السلطة، مقابل التهديد بالتجريد والاقتلاع من الهوية الوطنية لمن يصر على المعارضة أو حتى النقد من الخارج. بذلك، يتحول حق الجنسية من رابط دائم بين المواطن ووطنه إلى أداة للمساومة السياسية والضبط الأمني.
أخيراً، نجاح هذا التدبير مشكوك فيه بشدة. فجذور “الحرقة” لا تكمن فقط في الفقر، بل أيضاً في اليأس السياسي والرغبة في الهروب من مناخ الخوف والفرص المسدودة. دون معالجة حقيقية لهذه الأسباب الجوهرية – والتي يتطلب أولها فتح الحوار السياسي واحترام الحريات الأساسية – قد تبقى “اليد الممتدة” للعودة بلا من يصدقها أو يمسك بها، بينما يبقى “السيف المسلط” للتجريد من الجنسية أداة قمع تزيد من شرخ الثقة بين الدولة وجزء كبير من شعبها، أينما وجد.

