الجزائر تدخل النفق المظلم: بعد نقص المواد الاستهلاكية في الأسواق وارتفاع أسعارها، زيادة معتبرة في أسعار المحروقات وانطلاق الاحتجاجات الشعبية
بدأ عام 2026 في الجزائر في مناخ من التوتر المثير للقلق، إذ مع الساعات الأولى من العام الجديد، شن مئات ناقلي البضائع والمسافرين حركة إضراب، استجابة لدعوات نُشرت على مدى عدة أسابيع على منصات التواصل الاجتماعي.
في مرمى الاحتجاج: قانون المرور الجديد الذي يُعتبر “قمعيًا”، والزيادات المتتالية في تكاليف التشغيل، وآخر قطرة أفاضت الكأس، الزيادة المفاجئة وغير المبررة في أسعار الوقود.
وفي مفاجئة عامة، قررت الهيئة التنظيمية للهيدروكربونات في 31 دجنبر الماضي فرض زيادة فورية في أسعار المحطات اعتبارًا من 1 يناير، مما أثار استياءًا عامًا في الجزائر. على الرغم من أن قانون المالية لعام 2026 لم يتضمن أي مراجعة للتعريفات، أشارت مذكرة صادرة عن الهيئة إلى وضع تعريفات جديدة تُطبق منذ 1 يناير.
الأسعار الجديدة هي 47 دينارًا للتر للبنزين، و31 دينارًا للتر للغازولين، و12 دينارًا للتر للغاز النفطي المسال (GPL-c). وكانت الأسعار السابقة 45.62 دينارًا للتر البنزين، و29.01 دينارًا للتر الغازولين، و9.2 دينارًا للتر الغاز النفطي المسال. وقد أنهكت هذه الزيادة المفاجئة في أسعار الوقود معنويات محترفي النقل البري، الذين أنهكتهم خلال السنوات الأربع الماضية ندرة الإطارات وقطع الغيار، جنبًا إلى جنب مع التضخم الجامح في أسعار هذه المنتجات الإستراتيجية، وسيتحملون مرة أخرى خسائر مالية تهدد بقاء أنشطتهم بشكل خطير.
وهكذا توقف ناقلو البضائع وسائحو حافلات الولايات وحتى أصحاب شاحنات الإسعاف عن العمل. توقف مفاجئ يلوح بظلال شلل تدريجي لقطاع حيوي لنقل البضائع والسلع الاستهلاكية في الجزائر.
وتشكل إضرابات النقل الحالية مظهرًا لأزمة هيكلية عميقة في قطاع النقل البري الجزائري، نتجت عن تراكم عوامل تشغيلية وتنظيمية واقتصادية كبرى.
الأزمة ليست وليدة زيادة أسعار الوقود فحسب، بل هي نتاج تراكم ضغوط عديدة.
أهم العوامل المباشرة، الزيادة المفاجئة في أسعار الوقود إذ فرضت الزيادة دون سابق إنذار في 1 يناير 2026، على الرغم من أن قانون المالية 2026 نص على ثبات الضرائب على المنتجات البترولية.
ثم هناك القانون الجديد للمرور الذي يعتبره السائقون “قمعيًا” وينص على عقوبات قاسية تصل إلى السجن (حتى 10 سنوات في حالة الحوادث بغض النظر عن المسؤولية) وجزاءات مالية باهظة (من 70 ألف إلى 200 ألف دينار للحمل الزائد).
تضاعفت أسعار الإطارات في أقل من ثلاث سنوات، وارتفعت أسعار قطع الغيار والزيوت بشكل كبير منذ جائحة كوفيد-19.
من جهة أخرى، هناك العوامل الهيكلية الطويلة الأمد التي تتمثل في جمود التعريفات حيث لم تتغير تعريفة نقل المسافرين بالحافلات منذ عام 2018، رغم تضاعف التكاليف.
· شيخوحة أسطول المركبات: تجديد الأسطول شبه مستحيل بسبب ارتفاع أسعار الشاحنات والحافلات الجديدة بشكل كبير (أكثر من ملياري سنتيم لشاحنة جديدة).
يضاف إليها تدهور البنية التحتية: الطرق السيئة، خاصة نحو الجنوب، تتسبب في تلف سريع للإطارات وترفع تكاليف الصيانة.
يؤدي ما سبق إلى شلل اقتصادي تدريحي وشيك: النقل البري شريان حيوي للاقتصاد مع توقف شاحنات البضائع وحافلات المسافرين الذي يهدد بتعطيل سلسلة التوريد وحركة المواطنين.
انهيار قطاع النقل العام حيث أعلن عدد متزايد من الناقلين إفلاسهم أو بيع حافلاتهم والتحول لمهن أخرى، لأن النشاط لم يعد مجديًا ماليًا. أحد السائقين صرح: “بدون مراجعة لتعريفة النقل، جميع ناقلي المسافرين العامين سيتوقفون عن العمل. أصبح الأمر لا يُطاق”.
· توتر اجتماعي: احتجاجات النقل قد تكون مقدمة لاحتجاجات أوسع في قطاعات أخرى متضررة من تداعيات ارتفاع أسعار الوقود على كافة السلع والخدمات.
تعيش البلاد أزمة المالية العامة حيث تعاني من عجز ميزاني مرتفع (13.9% من الناتج المحلي الإجمالي في 2024) وارتفاع سريع في الدين العام (قارب 50% من الناتج المحلي الإجمالي). الحكومة تبحث عن موارد لتمويل الإنفاق.
· الضغط على السياسات الداعمة: الزيادة قد تكون محاولة لتخفيف عبء دعم أسعار الوقود على الميزانية، في إطار تراكم الضغوط المالية. الرئيس تبون أعلن سابقًا أنه لن تكون هناك سياسة تقشف في 2026، لكنه لم يتطرق لتفاصيل الميزانية.
يمثل غياب الحوار والتنسيق أحد أكبر مظاهر الأزمة في طريقة اتخاذ القرار. فرض الزيادة “بشكل مفاجئ وبطريقة قاسية ودون إعلام السكان مسبقًا” كما وصفتها بعض المصادر، ورفض طلبات الناقلين لمراجعة التعريفات لثماني سنوات، يخلقان فجوة ثقة ويزيدان من حدة الاحتقان.
خلاصة القول، احتجاجات النقل في الجزائر هي عرض لأزمة هيكلية مركبة وليست مجرد رد فعل على زيادة في الأسعار.
تجتمع أزمات التشغيل (ارتفاع التكاليف)، والتنظيم (قانون مرور صارم)، والاقتصاد الكلي (الضغط على الميزانية) لتهدد بقاء قطاع حيوي.
يرى المحتجون أنهم يُعامَلون “ليس كفاعلين رئيسيين في الاقتصاد، بل كخطر متحرك”.
حل هذه الأزمة يتطلب نقاشًا جادًا وشاملاً يتجاوز الترقيع المؤقت، ليشمل مراجعة السياسات الداعمة وإيجاد توازن بين ضرورات الأمن المالي وحتمية الحفاظ على خدمات النقل التي هي شريان الحياة الاقتصادية والاجتماعية.


