صنصال يسخر من رئيس الجزائر، حيث شكره علنًا على “هذه الإقامة في سجن القليعة” وجعل منه شخصية معروفة عالميًا وكاتبًا مرموقًا و”بطلًا” صمد في وجه الديكتاتورية

صنصال يسخر من رئيس الجزائر، حيث شكره علنًا على “هذه الإقامة في سجن القليعة” وجعل منه شخصية معروفة عالميًا وكاتبًا مرموقًا و”بطلًا” صمد في وجه الديكتاتورية

عبدالقادر كتـــرة

بعد عام قضاه في السجن بالجزائر، عاد الكاتب والروائي الجزائري-الفرنسي “بوعلام صنصال” إلى فرنسا عبر برلين. وتعتبر ألمانيا أن الإفراج عنه جاء نتيجة العلاقات الدبلوماسية والتجارية الجيدة التي تربطها بالجزائر.

وقد رحب إيمانويل ماكرون بهذا الوساطة وشكر الرئيس الجزائري على “خطوة الإنسانية” هذه.

للتذكير، كان الرئيس الألماني قد حثّ، في العاشر من نوفمبر الماضي، نظيره الجزائري على العفو عن الكاتب الفرنسي-الجزائري بوعلام صنصال، المسجون منذ عام في الجزائر وكان في قلب أزمة دبلوماسية حادة بين الجزائر وباريس.

ودعا فرانك-فالتر شتاينماير نظيره عبد المجيد تبون إلى “خطوة إنسانية”، مقترحًا أيضًا نقل بوعلم سنسال إلى ألمانيا “ليتلقى الرعاية الطبية (…) نظرًا لتقدمه في السن (…) وحالته الصحية الهشة”.

ولكن، في الحقيقة، لم تكن الحالة الصحية لبوعلام صنصال هشة على الإطلاق، وقد عاملته السلطات الجزائرية كشخصية مهمة جدًا (VIP) وكسجين استثنائي.

يوم الأحد الماضي، وفي أول مقابلة له مع الإذاعة العامة الفرنسية “فرانس أنتر”، نفى بوعلام صنصال نفسه “الأسباب الطبية” للإفراج عنه، وكشف أنه غادر الجزائر “متعافيًا”.

وسمح بوعلام صنصال لنفسه برفاهية السخرية من الرئيس عبد المجيد تبون، حيث شكره علنًا على “هذه الإقامة في سجن القليعة” التي سمحت له بأن يصبح شخصية معروفة عالميًا وكاتبًا مرموقًا، مؤثرًا على الساحة الدولية، ويُعتبر الآن “بطلًا” صمد في وجه الديكتاتورية.

تُظهر القضية بوضوح كيف تُستخدم القضايا الإنسانية أحيانًا كوسيلة لحل الأزمات الدبلوماسية.

فوساطة ألمانيا، المدعومة بعلاقاتها الاقتصادية مع الجزائر، كانت بمثابة “مخرج” لكل الأطراف، للجزائر بالإفراج عن سجين مثير للجدل دون أن يبدو ذلك استجابة مباشرة لضغوط فرنسية،

ولفرنسا بحل أزمة مع جار مهم دون فقدان ماء الوجه، ولألمانيا بتأكيد دورها كقوة دبلوماسية فاعلة في المنطقة.

الكاتب والروائي الجزائري-الفرنسي سخر من ادعاء الجزائر بالإفراج عنه ل”السبب الطبي” إذ لم يكن مريضا وسبق أن شفي من مرض السرطان بعد علاج في فرنسا قبل اعتقاله.

وسخريته من السلطة يهدفان إلى تجريد السلطات الجزائرية من شرعية سبب الإفراج المعلن، وتحويل سجنه من “عقاب” إلى “مصدر قوة وشهرة”، مما يقوض الرواية الرسمية.

تعليقات صنصال الساخرة تجاه الرئيس تبون هي شكل من أشكال المقاومة السياسية والرمزية.

إنها تُظهر ازدراء ااسلطة الجزائرية واحتقارها وإهانتها وتقلب الطاولة عليها، حيث يحول تجربة السجن إلى منصة للتمكين والشهرة العالمية.

وزاد في السخرية المهينة بذكره أن السلطات الجزائرية عاملته كسجين استثنائي (معاملة “الـVIP” في السجن) وهذا يشير إلى أن النظام كان حريصًا على تجنب تحويله إلى “شهيد” قد يثير ضجة أكبر، أو أنه كان يحاول تليين الصورة أمام الرأي العام الدولي.

هذه القضية تتجاوز بكثير حالة فردية لكاتب؛ إنها نموذج مصغر للديناميات السياسية المعقدة في المنطقة حيث صراع الروايات تؤكد الحالة على الصراع الدائم بين روايات الأنظمة الاستبدادية وروايات المثقفين والمعارضين. فبينما تقدم الدولة نفسها على أنها “إنسانية”، يقدم المعتقل الرواية على أنها “انتصار للإرادة على القمع”.

من جهة أخرى، تم توظيف القضية من قبل جميع الأطراف: الجزائر لتعزيز صورتها كدولة ذات سيادة تتخذ قراراتها باستقلالية (وإن كانت تحت ضغط غير مباشر)، وفرنسا للخروج من مأزق دبلوماسي، وألمانيا لتعزيز نفوذها.

من جهة ثانية، قوة الكلمة تكمن في تصريحات صنثال الجريئة أن السلطة لا تقتصر على القوة المادية للدولة، حيث سجين سابق يسخر من رئيس دولة ويحول سجنه إلى وسام شرف هو تحدٍ كبير للسلطة.

في الختام، بينما يُظهر الإفراج عن بوعلام صنصال كيف يمكن للدبلوماسية أن تحل الأزمات، فإن الرواية الشخصية للكاتب تكشف الهوة بين الخطاب الرسمي والحقيقة على الأرض، وتؤكد أن المعركة الحقيقية هي، غالبا، معركة سرديات، وأن الكلمة يمكن أن تكون سلاحًا أقوى من القضبان أحيانًا .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *