صدق أو لا تصدق: 143 تلميذاً في حافلة متهالكة بالجزائر، بعد حادث سقوط حافلة في وادي الحراش خلف 20 قتيلا و23 جريحا

صدق أو لا تصدق: 143 تلميذاً في حافلة متهالكة بالجزائر، بعد حادث سقوط حافلة في وادي الحراش خلف 20 قتيلا و23 جريحا

عبدالقادر كتــرة

شهدت الساحة الإعلامية الجزائرية مؤخراً منشورات متعددة حول حافلة مدرسية نقلت ما يصل إلى 143 تلميذًا وتلميذة في ظروف بالغة الخطورة، مما أثار موجة من الاستنكار والقلق بين المواطنين والناشطين.

هذه الحادثة ليست معزولة، بل هي جزء من نمط متكرر من الإهمال النظامي يشكل خطراً داهماً على حياة الطلاب الجزائريين.

هذا المشهد له جذور أزمة، ويرتبط بحادثة وادي الحراش المأساوية التي راح ضحيتها 20 شخصاً، ونستكشف العوامل النظامية والهيكلية والاجتماعية التي تساهم في استمرار هذه الممارسات الخطيرة.

وتعكس حادثة الحافلة المدرسية التي تنقل 143 طالباً صورة مصغرة عن أزمة النقل العام في الجزائر بأكملها.

وفقاً للبيانات الرسمية، تسجل الجزائر ما يصل إلى 4000 حالة وفاة سنوياً على الطرقات، حيث تُعزى 91% من الحوادث إلى أخطاء بشرية، خاصة التعب وعدم الامتثال لقوانين المرور.

لكن هذه الإحصاءات تخفي حقائق أعمق تتعلق بـتدهور البنية التحتية وتقهقر أسطول النقل العام وغياب الرقابة الفعالة.

حادث وادي الحراش وقع بالعاصمة الجزائريةفي 15 غست الماضي، وخلف 20 قتيلاً و25 جريحاً الجزائر العاصمة، فيما خلف حادث حافلة بتمنراست 34 قتيلاً وقع في 2023.

وخلف مجمل الحوادث المتنوعة حوالي 4000 سنوياً بمختلف المناطق سنوياً.

تعاني الجزائر من أزمة حافلات قديمة تتجاوز أعمارها 30 عاماً ولا تزال في الخدمة، على الرغم من كونها تشكل خطراً داهماً على الركاب. وزير النقل الجزائري قد صرح بأن هناك أكثر من 84,000 حافلة في حاجة ماسة للاستبدال في جميع أنحاء البلاد، ووصف الكثير منها بأنها “آلات موت” بسبب حالتها السيئة وتورطها المتكرر في حوادث مميتة.

كما يعاني القطاع من نقص حاد وارتفاع أسعار قطع الغيار والإطارات.

وقد تفاقمت هذه المشكلة الحقيقية لحظر استيراد قطع الغيار، مما يترك الحافلات التي تزيد أعمارها عن 30 عاماً لا تزال في الخدمة، وهو خطر أشار إليه النواب والناشطون على حد سواء.

من جهة، أدى تحرير قطاع النقل في أواخر الثمانينيات إلى انتشار المشغلين الخاصين للحافلات الصغيرة، الذين غالباً ما يقدمون الربح على السلامة. تم استبدال خدمات النقل العام، التي كانت تديرها احتكارات بلدية، تدريجياً ببدائل غير رسمية وخاضعة لإشراف ضعيف.

من جهة ثانية، تتعامل السلطات مع الحوادث بدون إطار قانوني وتشريعي موحد، مما يؤدي إلى ممارسات وصفها المواطنون بأنها “تمييزية” و”محاباة” بين الضحايا في مختلف مناطق البلاد.

من جهة أخرى، عانت شبكة النقل في الجزائر من عدم الكفاءة وقلة الاستثمار وضعف التنظيم.

وعلى الرغم من التحضر السريع، تفتقر البلاد إلى استراتيجية نقل حديثة متماسكة.

كما تتميز المسارات بالشوارع الضيقة، ونقص مواقف السيارات، وخيارات النقل العام غير الكافية تجبر الكثيرين على الاعتماد على المركبات الخاصة، مما يؤدي إلى تفاقم ازدحام المرور والتلوث.

أثارت معالجة ضحايا حادث وادي الحراش غضباً بسبب التفاوت الصارخ في التعامل مع الضحايا بالمقارنة بضحايا كوارث سابقة مثل كارثة تمنراست للحافلات عام 2023 التي مات فيها 34 شخصاً في حريق.

بالنسبة لملايين الجزائريين، يظل التنقل كابوساً يومياً. أولئك الذين لا يمتلكون سيارات غالباً ما يتحملون فترات انتظار طويلة لحافلات مزدحمة أو سيارات أجرة مشتركة، بدون ضمان للسفر في الوقت المناسب أو الآمن.

أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي ملاذاً أخيراً للجزائريين لإطلاق الغضب على تدهور النقل والبنية التحتية، خاصة في ظل القيود المشددة على الإعلام التقليدي وغياب الحوار بين المواطين ومؤسسات الدولة.

وعبر المواطنون والمدونون على وسائل التواصل الاجتماعي عن استيائهم من ما وصفوه “بالتمييز” و”المحسوبية” بين الجزائريين، وأصروا على أن ضحايا وادي الحراش عوملوا بشكل مختلف عن نظرائهم في تمنراست وغيرها من المآسي.

بعد حادث وادي الحراش، سارعت الحكومة إلى احتواء الموقف بعدة إجراءات، منها تقديم تعويضات مالية بحوالي 7000 دولار لكل ضحية بعد إعلان الحداد الوطني ليوم واحد مع خفض الأعلام وحضور الوزراء ومستشاري الرئيس الجنازات كبادرة تضامن.

ومع ذلك، لم تخف هذه الإجراءات الارتباك الذي ميز استجابة كبار المسؤولين والوزراء، حيث أن بعض الخطوات أظهرت ما وصفه النقّاد بالممارسات التمييزية وعمقت الحساسيات الإقليمية بين المواطنين.

السلطات الجزائرية سارعت. لامتصاص غضب الشعب، إلى التصريح باتخاذ إجراءات عاجلة

منها استبدال الحافلات القديمة، كخطوة أولى، أمرت السلطات بسحب جميع الحافلات التي تزيد أعمارها عن 30 عاماً من الخدمة في غضون ستة أشهر.

لكن نشطاء القطاع أعربوا عن ثقة ضئيلة في هذا الإجراء، مشيرين إلى عدم قدرة مالكي الحافلات على استبدال مركباتهم، والعقبات البيروقراطية في العملية، وتقادم الأسطول ككل.

وحول قرار الحكومة الأخير بالسماح باستيراد حافلات تقل أعمارها عن خمس سنوات، أكد وزير النقل أن الملاك يضغطون من أجل الإعفاءات الجمركية. لكنه تساءل: “إذا منحنا إعفاءات جمركية للحافلات التي تقل أعمارها عن خمس سنوات، فماذا سيعرض هؤلاء الملاك علينا في المقابل؟ يجب أن تذهب هذه الإعفاءات إلى مستوردي الحافلات الجديدة تماماً أو الكهربائية”.

حالة الـ 143 تلميذاً في الحافلة المتهالكة ليست مجرد حادثة معزولة، بل هي عرض مقلق لأزمة نظامية أعمق تواجه قطاع النقل في الجزائر.

إن حادث وادي الحراش المأساوي، الذي أودى بحياة 18 شخصًا، يُذكر حزنًا عميقًا بالتكلفة البشرية للإهمال وضعف البنية التحتية.

إن تضافر المركبات القديمة، وضعف البنية التحتية، وضعف التنظيم، والتفاوت الاجتماعي، يُشكّلان معًا فوضى عارمة تُعرّض سلامة المواطنين الجزائريين للخطر يوميًا.

الطريق نحو حل هذه الأزمة لن يكون قصيراً ولا سهلاً، لكنه ضرورة ملحة لا يمكن تأجيلها.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *