أَرْشِيفُ الثَّوْرَةِ الْجَزَائِرِيَّةِ: لُغْزُ “عَلِي لَابْوَانْتْ” “الْعُلْبَةُ السَّوْدَاءُ” الَّتِي تُرْعِبُ النِّظَامَ الْعَسْكَرِيَّ وَتَفْضَحُ شَرْعِيَّتَهُ…”لَوْ اسْتَلَمْنَا الأَرْشِيفَ لَقَامَتْ حَرْبٌ”…السِّرُّ الَّذِي يَحْرُسُهُ خَوْفاً مِنَ السُّقُوطِ
عبدالقادر كتـــرة
في خريف عام 2019، وبينما كانت شوارع المدن الجزائرية تغلي بهتافات الحراك الشعبي المطالب بإسقاط النظام العسكري ورموزه، خرجت على شاشات التلفزيون قصة بدت للوهلة الأولى وكأنها مشهد سريالي؛ رجل خمسيني يُدعى “فاروق بن عيسى” يظهر رفقة والدته المسنّة، حاملاً رزمة من المراسلات والوثائق، ليعلن أمام الملايين أنه الابن الشرعي لرمز الثورة الجزائرية الشهير “علي لابوانت” (علي عمار)، مدعياً أن والده لم يمت في تفجير حي القصبة الشهير عام 1957، بل عاش ومات في الجزائر أواخر الثمانينيات.
وبغض النظر عن مدى صحة ادعاءات هذا الرجل التي قوبلت بتشكيك واسع من المؤرخين لتشابه الأسماء، فإن خروجه الإعلامي نكأ، من حيث يدري أو لا يدري، الجرح الأكثر إيلاماً وحساسية في بنية الدولة الجزائرية الحديثة: من يكتب التاريخ في الجزائر؟ ولماذا تصاب المؤسسة العسكرية الحاكمة بالذعر كلما طُرح ملف تسلّم الأرشيف الحقيقي للثورة من فرنسا؟
صناعة الرموز واحتكار الذاكرة
منذ انقلاب صائفة 1962، حين أطاحت “مجموعة وجدة” العسكرية بقيادة هواري بومدين بالحكومة المؤقتة الشرعية، أدرك العسكر أن حكم الجزائر لا يمكن أن يستمر بقوة الدبابة وحدها، بل يحتاج إلى غطاء مقدس يُسكت أي معارضة.
من هنا وُلدت عقيدة “الشرعية الثورية”؛ وهي معادلة بسيطة مفادها أن من حرّر البلاد هو من يملك الحق الحصري في حكمها وتوزيع ثرواتها.
ولترسيخ هذه العقيدة، عمد النظام إلى تأميم الذاكرة الوطنية.
تم اختزال الثورة في رواية رسمية واحدة مصقولة بعناية عبر المناهج الدراسية والسينما الموجهة، بينما فُرض طوق أمني حديدي على الوثائق الحقيقية. وفي ظل هذا التعتيم الممنهج لعقود، تحوّل التاريخ الجزائري إلى “صندوق أسود”؛ فالمواطن البسيط بات يسمع شعارات البطولة في الإعلام الرسمي، لكنه يرى في الواقع منظومة فاسدة تتاجر بدماء الشهداء، مما خلق أزمة ثقة عميقة جعلت قطاعات واسعة من الجزائريين تشكك في كل ما تقوله السلطة، حتى لو تعلق الأمر بمسلمات تاريخية.
لماذا يرتعد النظام العسكري من استلام الوثائق؟
في خضم دفاعه عن قضيته، أشار “فاروق بن عيسى” إلى تفصيل بالغ الخطورة، حين ذكّر بتصريحات سابقة لوزير المجاهدين الجزائري الأسبق محمد الشريف عباس، والتي أقرّ فيها ضمنياً بأن الجزائر لا تستطيع استلام أرشيف الثورة الكامل من فرنسا لأن فتحه “سيشعل حرباً أخرى في البلاد قد تخلّف آلاف القتلى”.
إن هذا الاعتراف الرسمي يضع اليد على جوهر الأزمة: النظام العسكري الجزائري لا يطالب بالأرشيف لاسترجاعه، بل يرفع شعار المطالبة به للاستهلاك الإعلامي الداخلي، بينما يرتعد خوفاً في الكواليس من لحظة الإفراج الفعلي عن تلك الوثائق.
يرتكز خوف النظام العسكري من انكشاف الوثائق والأرشيف على أربع حقائق كبرى تهدد وجوده:
1- فضيحة “المجاهدين المزيفين” ونهب الريع: بحسب اعترافات مسؤولين تاريخيين في الجزائر نفسها، فإن عدد المسجلين رسمياً في قوائم “المجاهدين” المستفيدين من المنح والامتيازات والريع المالي والسياسي يفوق بأضعاف مضاعفة العدد الحقيقي لمن حملوا السلاح فعلياً إبان الثورة (الذين قُدر عددهم غداة الاستقلال بنحو 120 إلى 150 ألفاً، قبل أن يتضخم الرقم إلى مئات الآلاف).
استلام سجلات وزارة الدفاع والمخابرات الفرنسية يعني كشف القوائم بالأسماء، وتعرية عائلات وشخصيات نافذة بنت إمبراطورياتها المالية والسياسية على شهادات جهاد مزورة.
2- ملف “ضباط فرنسا” (دفعة لاكوست): يُعد هذا الملف الخط الأحمر الأخطر داخل المؤسسة العسكرية الجزائرية. ففي السنوات الأخيرة للثورة، وتحديداً بين عامي 1957 و1961، التحق عدد من الضباط الجزائريين الذين كانوا يخدمون في صفوف الجيش الاستعماري الفرنسي بجيش التحرير المرابط على الحدود (في تونس والمغرب).
هؤلاء الضباط، الذين عُرفوا لاحقاً بـ “حزب فرنسا” أو “دفعة لاكوست”، سرعان ما سيطروا بفضل تكوينهم الإداري والعسكري الفرنسي على مفاصل وزارة الدفاع وجهاز المخابرات في الجزائر المستقلة، وأقصوا قادة الداخل الحقيقيين (مجاهدي الجبال والقرى).
الوثائق الفرنسية تحتوي على الملفات الشخصية الكاملة لهؤلاء الضباط، وطبيعة مهامهم قبل انشقاقهم الشكلي، وهو ما يفسر استماتة النظام في إبقاء هذه الملفات طي الكتمان.
3- التصفيات الجسدية واغتيال قادة الثورة: لم يُقتل العديد من أبرز قادة الثورة الجزائرية برصاص الاستعمار الفرنسي، بل قُتلوا بأوامر من رفقاء السلاح في صراعات السلطة الدموية قبل الاستقلال وبعده.
من اغتيال مهندس مؤتمر الصومام “عبان رمضان” في المغرب عام 1957، إلى خنق “كريم بلقاسم” في فندق بفرانكفورت عام 1970، واغتيال “محمد خيضر” في مدريد عام 1967، وصولاً إلى إعدام أصغر عقيد في الثورة “محمد شعباني” عام 1964.
الأرشيف الاستخباراتي يوثق بدقة من خطط ومن نفّذ هذه الجرائم، وهم أنفسهم الذين أسسوا أركان النظام العسكري الحالي.
4- شبكات “الحركى” والمتعاونين: يضم الأرشيف الفرنسي قوائم دقيقة للجزائريين الذين تعاونوا سراً مع الإدارة الاستعمارية وأجهزة “لاصاص” (SAS) للإبلاغ عن الفدائيين. وبفعل الفوضى التي أعقبت عام 1962، نجح كثير من هؤلاء في تغيير جلودهم والاندساس داخل أجهزة الدولة الجديدة، بل وتوريث مناصبهم لأبنائهم، مما يجعل فتح الأرشيف بمثابة زلزال اجتماعي وسياسي يطيح بنخب كاملة تحكم البلاد اليوم.
دولة رهينة الابتزاز الخارجي
إن التناقض الصارخ في سلوك النظام الجزائري — بين خطابه الشعبوي المعادي لفرنسا في العلن، وعجزه التام عن استلام أرشيفه منها في السر — جعل الدولة الجزائرية برمتها رهينة للابتزاز السياسي.
فباريس تدرك تماماً أن في خزائنها “القنبلة النووية” التي يمكن أن تعصف بشرعية النظام العسكري في أي لحظة. ولذلك، كلما أرادت فرنسا انتزاع تنازلات اقتصادية، أو صفقات غاز، أو مواقف جيوسياسية من الجزائر، يكفي أن تلوّح في الإعلام أو عبر القنوات الدبلوماسية بنيتها “رفع السرية عن أرشيف حرب الجزائر”، ليسارع الجنرالات إلى التهدئة وتقديم التنازلات في الخفاء، مفضلين التفريط في السيادة الاقتصادية والسياسية على أن تُفتح ملفات الماضي أمام الشعب الجزائري.
لم تعد أزمة الوثائق في الجزائر مجرد خلاف تاريخي بين مؤرخين، بل هي أزمة نظام حكم بنى وجوده على التزوير واحتكار الحقيقة. ومن المفارقات المؤلمة أن بلداً قدّم تضحيات جساماً للتحرر من الاستعمار، لا يزال يُحكم بعقلية تخشى ورقة صفراء في أرشيف باريس أكثر مما تخشى تدهور اقتصاد البلاد أو ضياع مستقبل شبابها. إن تحرير الجزائر الحقيقي في القرن الحادي والعشرين يبدأ من تحرير تاريخها من قبضة الثكنات؛ فالدول التي تخاف من ماضيها، لا يمكنها أبداً أن تصنع مستقبلها.

