صُومَالُ مَقْدِيشُو: عِنْدَمَا تَرْقُصُ عَلَى حِبَالِ التَّقْسِيمِ وَتَتَجَرَّعُ كَأْسَ الِانْفِصَالِ… سُقُوطُ الْمَبَادِئِ الدِّبْلُومَاسِيَّةِ حِينَ وَضَعَتِ الصُّومَالُ بِيَدِهَا مِعْوَلًا لِهَدْمِ وَحْدَتِهَا

صُومَالُ مَقْدِيشُو: عِنْدَمَا تَرْقُصُ عَلَى حِبَالِ التَّقْسِيمِ وَتَتَجَرَّعُ كَأْسَ الِانْفِصَالِ… سُقُوطُ الْمَبَادِئِ الدِّبْلُومَاسِيَّةِ حِينَ وَضَعَتِ الصُّومَالُ بِيَدِهَا مِعْوَلًا لِهَدْمِ وَحْدَتِهَا

عبدالقادر كتـــرة

في عالم السياسة، غالباً ما تسقط الدول في مطب “قصر النظر الدبلوماسي”، متناسية أن القواعد التي ترتضي تطبيقها أو تمريرها ضد غيرها اليوم، ستدور الدائرة لتجد نفسها مجبرة على تجرع مرارتها غداً.

ولعل النموذج الأسطع والأكثر سخرية في الآونة الأخيرة يجسده الموقف الحكومي لجمهورية الصومال في مجلس الأمن الدولي، حيث اختارت مقديشو التنكر لثوابت الجغرافيا والمنطق، لتصطف في خانة تقويض الوحدة الترابية للدول، متناسية أن بيتها الدبلوماسي والكياني مهلهل ومبني من زجاج مفخخ بألف نزعة انفصالية.

تناقض صارخ.. من أين يأتي الخلل؟

لقد تابع المتتبع الشأن الدولي بذهول ذلك الاصطفاف الصومالي غير المبرر في أروقة الأمم المتحدة، حيث امتنعت مقديشو عن التصويت على مشروع القرار الأمريكي الداعم للمسار الواقعي وللسيادة المغربية ومبادرة الحكم الذاتي، بل وذهبت أبعد من ذلك بدعمها للمشروع الروسي البديل.

هذا السلوك يمثل مفارقة عجيبة بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ فالدولة الصومالية التي لا تكف عن مناشدة المجتمع الدولي حماية وحدتها الترابية، والوقوف في وجه طموحات إقليم “أرض الصومال” (صوماليلاند) الانفصالي الذي يرفض السلطة المركزية في مقديشو، تجد نفسها تتطوع لضرب الوحدة الترابية لدولة شقيقة كالرباط، طالما عبرت عن مواقف داعمة لاستقرار الصومال. وكأن الدبلوماسية الصومالية اختارت عن جهل أو ابتزاز ظرفي أن ترفع الشعار المأثور: “اتق شر من أحسنت إليه ومن لا يحترم سيادة غيره يفقد الحق في حماية سيادته”.

صوماليلاند.. الكابوس الذي تتجاهله مقديشو

إن أشد ما يبعث على السخرية السوداء، هو أن هذا التخبط الدبلوماسي يأتي في وقت تعاني فيه الصومال في صميم كيانها من هشاشة مفرطة، حيث تتعرض وحدتها لامتحانات قاسية يومياً، كان آخرها التحركات الإسرائيلية الأخيرة في هرجيسا وما رافقها من تنديد صومالي رسمي واسع.

فحين تفتح مقديشو أبواب العداء أمام الدول التي تدافع بصلابة عن وحدة أراضيها، فإنها تعزل نفسها دبلوماسياً، وتقدم شرعية مجانية لكل الحركات الانفصالية في العالم لتتخذ من سوابق التصويت الأممي ذريعة وممراً. إن من يفرط في مبدأ السيادة الوطنية ويساوم به في بورصة المصالح العابرة، لا يمكنه أن يلوم العالم إن هو تخلى عنه حين يستفحل خطر التقسيم في دياره.

الحكمة المأثورة: “باش تقتل باش تموت”

تصدق على المشهد الصومالي بحذافيره الحكمة الشعبية العميقة التي تقول: “باش تقتل باش تموت”، فالسلاح الذي تشهر في وجه وحدة الأشقاء اليوم، هو نفس السلاح المرشح لأن ينهش كيانك المستقبلي عاجلاً غير آجل. لقد أظهر الموقف الصومالي الأخير خفة سياسية وغياباً تاماً للرؤية الاستراتيجية، مما جعل مقديشو تبدو كمن يطلق النار على قدميه بمحض ارادته.

إن المغرب، بتاريخه العريق ومواقفه الثابتة وشراكاته الوازنة، لا تضره مناورات عابرة لدول تعيش أزمات الوجود والتشظي، غير أن العبرة التاريخية تبقى ثابتة: الدول الرصينة وحدها هي التي تحترم مبادئ استقرار الأمم ووحدتها. أما سياسة التذاكي واستجداء مواقف رمادية وسط رمال القرن الأفريقي المتحركة، فلن تنقذ مقديشو من حتمية السقوط تحت وطأة رياح الانفصال التي تزرعها اليوم بيدها، لتجنها شوكاً مراً غداً.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *