مُسْتَشْفَيَاتُ بَارِيسَ وَبُطُولَاتُ شِعَارَاتِ جِنِرَالَاتِ الْجَزَائِرِ: حِينَ يُسَلِّمُ الْمُجَاهِدُونَ أَرْوَاحَهُمْ لِأَطِبَّاءِ “الْمُسْتَعْمِرِ”!.. الْجِهَادُ فِي خُطَبِ “الْمُرَابِطِينَ”.. وَالْعِلَاجُ فِي مُسْتَشْفَيَاتِ “الْمُسْتَعْمِرِينَ”!

مُسْتَشْفَيَاتُ بَارِيسَ وَبُطُولَاتُ شِعَارَاتِ جِنِرَالَاتِ الْجَزَائِرِ: حِينَ يُسَلِّمُ الْمُجَاهِدُونَ أَرْوَاحَهُمْ لِأَطِبَّاءِ “الْمُسْتَعْمِرِ”!.. الْجِهَادُ فِي خُطَبِ “الْمُرَابِطِينَ”.. وَالْعِلَاجُ فِي مُسْتَشْفَيَاتِ “الْمُسْتَعْمِرِينَ”!

عبدالقادر كتـــرة

لا شك أن الموت حق على كل نفس، ولا ريب في أن الأقدار تحسم آجال البشر بغض النظر عن الأمكنة والمواقف. لكن حين يتعلق الأمر برموز نظام سياسي طالما تاجر بالشعارات الوطنية، ورفع لواء “السيادة الوطنية” ومناهضة الإرث الاستعمارى حتى في أبسط تفاصيل الحياة، فإن تفاصيل الرحيل تتحول إلى مرآة كاشفة، تفضح عري التناقضات وتعرّي زيف الخطاب الرسمي.

مفارقة التاريخ والجسد

لم تكن وفاة وزير المجاهدين الأسبق في الجزائر، الطيب زيتوني، في أحد مستشفيات فرنسا، مجرد حدث عابر في نشرات الأخبار، بل كانت تجسيداً صارخاً لواحد من أكبر التناقضات التي يعيشها النظام السياسي الجزائري.

الرجل الذي أُسندت إليه حقيبة وزارة “المجاهدين”—تلك الوزارة المفترض أنها تحرس الذاكرة الوطنية، وتُمجد بطولات جيل قاوم بضراوة آلة البطش الاستعمارية الفرنسية—قضى نحبه، ويا للغرابة، ليس على أرض الوطن الذي دافع عنه، بل على فراش الاستشفاء الباريسي، وتحت رحمة أطباء الدولة التي طالما وُصفت في الأدبيات الرسمية بـ “العدو التاريخي”.

هنا تتجلّى السخرية السوداء في أبشع صورها: جيلٌ حارب جنود المستعمر بصدق وإيمان، لتنتهي حكاية رموزه بالاستجداء الطبي والهروب الأخير نحو مستشفيات ذلك المستعمر نفسه!

أزمة ثقة أم إقرار بالفشل؟

إن لجوء كبار المسؤولين في الجزائر، عسكريين ومدنيين، للعلاج في فرنسا في الساعات الحاسمة من حياتهم، لا يفسره سوى أمر واحد: الاعتراف الضمني بفشل المنظومة الصحية الوطنية التي أشرف عليها هذا النظام لعقود طويلة.

عالج المقبور الرئيس الانقلابي بوخروبة الملقب بهواري بومدين في مستشفرات الاتحاد السوفيتي، والرئيس الراحل بوتفليقة في مستشفيات فرنسا والرئيس الحالي عبدالمجيد تبون في مستشفيات ألمانيا….واللائحة طويلة بالنسبة لكبار جنرالات النظام العسكري الجزائري والمسؤولين في هرم السلطة ودكاكين الاحزاب…

فعلى مدار عقود من الاستقلال، أنفقت خزينة الدولة المليارات، ورُفعت شعارات “الجزائر الجديدة” و”الاستقلال الاقتصادي والصحي”، لكن الحصيلة الحقيقية بدت جلية يوم احتياج صانعي القرار لأنفسهم إلى رعاية طبية حقيقية؛ فحينها سقطت كل الادعاءات بتطور القطاع الصحي المحلي، وتهاوت معها لغة التباهي بالاستقلال التام.

إنه لمن المخزي أن يُحرم المواطن البسيط من أبسط شروط العلاج والكرامة الصحية في مستشفيات داخلية تعاني الخراب، بينما تُفتح أبواب الطائرات وميزانيات الدولة على مصراعيها لنقل المسؤولين والعائلات نحو عاصمة “المستعمر القديم” لتلقي العلاج.

نفاق الخطاب وازدواجية الوجهة

لا يُعد هذا الحادث استثناءً، بل هو القاعدة المتكررة في سلوك طبقة حكم اتخذت من العداء لفرنسا “شماعة” لتوجيه الغضب الشعبي وتبرير الإخفاقات الداخلية، بينما ترتبط مصالحها الشخصية، واستثماراتها، وعلاج أبنائها، وحتى نهايات حياتها، ارتباطاً وثيقاً بفرنسا نفسها.

هذا النفاق الأيديولوجي المزدوج يضع المواطن الجزائري أمام مشهد سوريالي: خطاب ناري في العلن يندد بالاستعمار ويهدد بقطع دابر التبعية، وممارسات في السر والواقع تؤكد أن الثقة العمياء في البنى التحتية الفرنسية هي الخيار الأوحد حين يتعلق الأمر بالحياة والموت.

خاتمة: أين الوعي الجيلي القادم؟

إن رحيل رموز الماضي الباحثين عن طمأنينة أخيرة في أحضان “المستعمر” يترك تساؤلات كبرى حول مستقبل دولة تبدو عاجزة عن صناعة سيادة حقيقية في أبسط مقومات العيش الكريم.

فهل يستمر هذا الانفصام بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي، أم أن الأجيال الجديدة في الجزائر قادرة يوماً على تفكيك هذه الثنائية المزدوجة وبناء دولة كرامة فعلية، لا تكتفي برفع الشعارات فوق منصات التاريخ، بل تبني مستشفياتها ومدارسها بيد أبنائها؟

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *