غَادِي آيْزِنْكُوت.. اِبْنُ الْمُهَاجِرِينَ الْمَغَارِبَةِ وَرَئِيسُ الْأَرْكَانِ السَّابِقُ الَّذِي يُهَدِّدُ عَرْشَ نِتَنْيَاهُو: فُرْصَةُ التَّغْيِيرِ أَمْ مَعْضِلَةُ الِائْتِلَافَاتِ؟ مَا هِيَ حُظُوظُ آيْزِنْكُوت لِتَشْكِيلِ الْحُكُومَةِ الْإِسْرَائِيلِيَّةِ؟
عبدالقادر كتـــرة
في مشهد سياسي بالغ التعقيد والتوتر، برز اسم رئيس الأركان الأسرائيلي الأسبق وزعيم حزب “يشار”، غادي آيزنكوت، كأبرز شخصية تجمع حولها أحزاب المعارضة الإسرائيلية لخوض معركة التكليف بتشكيل الحكومة المقبلة.
فبعد مخاض انتخابي عسير ومتقارب، تحولت الأنظار نحو الجنرال المخضرم الذي يُنظر إليه اليوم ليس فقط كعسكري سابق، بل كـ “رجل التسوية والبديل” القادر على إعادة ترتيب بيت السلطة في إسرائيل وإزاحة بنيامين نتنياهو عن المشهد.
فكيف تبدو حظوظ آيزنكوت الحقيقية في الوصول إلى كرسي رئاسة الوزراء؟ وما هي الخلفية الإنسانية والاجتماعية لهذا الرجل الذي يحمل في جذوره تاريخاً طويلاً من التناقضات؟
من هو غادي آيزنكوت؟ (الجذور والنشأة)
لا يمكن فهم شخصية آيزنكوت بمعزل عن مسار عائلته؛ فهو وُلد في 19 مايو 1960 بمدينة طبريا، لأبوين يهوديين مهاجرين من المغرب (تحديداً من مدينتي مراكش والدار البيضاء / آسفي).
نشأ آيزنكوت في مدينة إيلات الساحلية الجنوبية التي انتقلت إليها عائلته في عامه الأول. كان والده “مئير” يعمل في مناجم النحاس بوادي تمنع، بينما كانت والدته “إستر” ربة منزل ضمن عائلة متواضعة تكونت من عدة أشقاء.
على المستوى الشخصي، آيزنكوت متزوج من “حنا” (التي التقى بها في مراهقته بنادٍ للإبحار)، ولهما خمسة أبناء. وقد دفع آيزنكوت وعائلته ثمناً باهظاً جراء الحروب المتتالية؛ حيث قُتل ابنه البكر (الرقيب أول غال مئير آيزنكوت) في معارك قطاع غزة، فضلاً عن مقتل عدد من أقاربه في المواجهات العسكرية، وهو ما منح, في الشارع الإسرائيلي، بُعداً إنسانياً وتعاطفياً خاصاً مع صورته كأب ثكل ابنه في الحرب.
التدرج العسكري والسياسي: من “جولاني” إلى قيادة الأركان
بدأ آيزنكوت مسيرته العسكرية عام 1978 بانضمامه إلى لواء المشاة النخبة “غولاني”، ليخوض عقوداً من الخدمة الميدانية والاستراتيجية.
تدرج في المناصب العسكرية حتى عُيّن قائداً للقيادة الشمالية، ثم سكريتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء إيهود بارك.
تولى منصب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي بين عامي 2015 و2019، واقترن اسمه استراتيجياً بصياغة ما تعرف بـ “عقيدة الضاحية” القائمة على الاستخدام المفرط وغير المتناسب للقوة لتدمير البنى التحتية.
وبعد تقاعده الطويل، عاد إلى واجهة السياسة إثر تطورات الحرب الأخيرة، مؤسساً لحزبه ومعلناً انتقاله الكامل من ثكنات الجيش إلى حلبة الصراع السياسي البرلماني.
حظوظ آيزنكوت في تشكيل الحكومة: بين الممكن والمستحيل
تستند حظوظ آيزنكوت اليوم إلى رغبة جارفة لدى معسكر المعارضة في طي صفحة حقبة نتنياهو الطويلة، إلا أن الوصول إلى “خط النهاية” يحمل في طياته تحديات جساماً:
1. نقاط القوة والدعم:
– وحدة صف المعارضة الشكلية: نجح آيزنكوت في توحيد جهود قادة أحزاب المعارضة البارزين لتقديم توصيات موحدة للرئيس الإسرائيلي بتكليفه رئيساً للوزراء.
– الخطاب البراغماتي: يطرح آيزنكوت رؤية وسطية تجمع بين الحزم الأمني والدعوة لإصلاحات اجتماعية وسياسية، بما في ذلك إثارة ملف التجنيد الإلزامي للحريديم، مما يجذب شرائح واسعة من الطبقة الوسطى العلمانية والتقليدية.
– القبول الجماهيري: يُنظر إليه نظرة احترام عامة لكونه جنرالاً محترفاً بعيداً نسبياً عن قضايا الفساد المباشرة التي تلاحق رموزاً سياسية أخرى.
2. التحديات والعقبات الكبرى:
– معضلة الأغلبية البرلمانية (الـ 61 مقعداً): لكي ينجح آيزنكوت في تشكيل حكومة مستقرة، عليه جمع أغلبية 61 نائباً في الكنيست. هذا يتطلب هندسة سياسية معقدة للغاية قد تضطره للتعامل مع متناقضات أيديولوجية حادة بين أحزاب اليسار، واليمين العلماني المتطرف (كأفيغدور ليبرمان)،وربما تفاهمات معقدة مع القوى العربية أو الحريدية المترددة.
– المناورة اليمينية لنتنياهو: يمتلك معسكر اليمين بزعامة نتنياهو خبرة طويلة في عرقلة مساعي الخصوم، واللعب على تناقضات كتل المعارضة لشل أي محاولة ائتلافية قبل ولادتها.
خاتمة
إن ترشيح غادي آيزنكوت لتشكيل الحكومة الإسرائيلية يمثل اختباراً حقيقياً لمدى قدرة معسكر التغيير على تجاوز خلافاته الأيديولوجية.
فبين جذوره المتواضعة كابن مهاجر مغربي، وخبرته العسكرية العميقة، يقف آيزنكوت اليوم على مفترق طرق تاريخي؛ إما أن ينجح في هندسة ائتلاف المستحيل وقيادة إسرائيل نحو مرحلة سياسية جديدة، أو ينزلق المعسكر نحو دوامة جديدة من الفشل البرلماني والانتخابات المبكرة.

