حارس الأسواق المؤجل: أية سبل لمجلس المنافسة المغربي ليكون درعاً للاقتصاد والقدرة الشرائية؟
من اعداد الدكتور محمد بنقدور
في خضم التحولات الاقتصادية العميقة التي يعيشها المغرب، وتصاعد التحديات المرتبطة بالقدرة الشرائية للمواطنين، تبرز المؤسسات الدستورية المستقلة بوصفها طوق نجاة تنبني عليه رهانات كبرى لتنظيم السوق وتحقيق العدالة الاجتماعية. ويقف مجلس المنافسة في طليعة هذه المؤسسات، مستنداً إلى هندسة دستورية متقدمة (الفصل 166 من الدستور) وإطار قانوني يؤطر حرية الأسعار والمنافسة. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة اليوم ليس حول طبيعة النصوص أو وفرة الاختصاصات، بل حول مدى قدرة هذه الهيئة على التحول من “سلطة ضبط نظرية” إلى “فاعل حاسم” يفرض منطقه الاقتصادي الصارم في حماية السوق المغربي من الاحتكار والريع. إن الإجابة عن هذا التحدي تقتضي قراءة وتقييم شامل لنطاق اختصاصات المجلس، والتي تتوزع بين أبعاد زجرية ووقائية واستشارية:
أولاً: المنظومة الوظيفية للمجلس.. بين حماية النجاعة الاقتصادية وتأمين التوازنات الهيكلية
يتجاوز الدور المنوط بمجلس المنافسة الاختصاص التقليدي المحصور في الفصل التقني بين الفاعلين الاقتصاديين؛ إذ يشكل المؤسسة الضامنة للسيادة والأمن الاقتصادي الوطني، وحامي التوازنات بين متطلبات حرية المبادرة وضمان العدالة التنافسية. وتتجسد هذه الرؤية الاستراتيجية عبر التفعيل المتكامل لثلاث محاور عمل رئيسية:
الواجهة التقريرية والزجرية (إنفاذ القانون وقمع الاختلالات):
يتولى المجلس مراقبة وملاحقة الممارسات المنافية للمنافسة وتفكيك التحالفات والتوافقات غير المشروعة كالتواطؤ على تثبيت الأسعار أو تقاسم الأسواق، والحد من سلوكيات التعسف في استغلال وضعية الهيمنة أو التبعية الاقتصادية، بما يكفل حماية النسيج المقاولاتي المحلي، لا سيما المقاولات الصغرى والمتوسطة، من الممارسات الإقصائية.
الواجهة الوقائية والاستباقية (ضبط حركية الرساميل والتركيزات):
تستهدف التقييم المسبق لعمليات الاندماج والاستحواذ وإنشاء المشاريع المشتركة، لمنع تشكل بنيات احتكارية مفرطة أو وضعيات هيمنة سوقية قد تقيد المنافسة الحرة والنزيهة بما يضمن حماية التنافسية الهيكلية للأسواق دون عرقلة النمو الطبيعي للمؤسسات.
الواجهة الاستشارية والتوجيهية (دعم نجاعة السياسات العمومية):
تتمثل في تقديم الرأي والاستشارة للحكومة والمؤسسات التشريعية بشأن مشروعات القوانين والتنظيمات ذات الصلة بالسوق، وإصدار دراسات وتقارير تقييمية للقطاعات الاستراتيجية الحيوية كقطاع المحروقات والخدمات والمهن المؤطرة، بهدف تصحيح الاختلالات الهيكلية وتعزيز مبادئ الشفافية والحرية والمراقبة.
ثانياً: حصيلة التدخلات الميدانية.. بين طموح الضبط المؤسساتي ورهانات الانتظارات المجتمعية
على مستوى الممارسة الميدانية والتنزيل العملي راكم مجلس المنافسة رصيداً مؤسساتياً إيجابيا تجسد في معالجة والبت السنوي في عدد كبير من الملفات وطلبات التركيز الاقتصادي، واستصدار التراخيص المؤطرة لها؛ وهو ما يعكس مواكبته الحية لحركية الاستثمارات والاندماجات الوطنية. وقد تعزز هذا الأداء بالخوض في قضايا تنازعية دقيقة شملت قطاعات حيوية كالخدمات المحاسبية وبعض المهن المنظمة، فضلاً عن إصدار آراء استباقية وازنة لتنظيم أسواق حساسة وذات أثر اجتماعي مباشر كتأمين سلاسل التموين والتدبير المرتبط ببعض المناسبات الاستهلاكية كأضاحي العيد. وعلى الرغم من هذه المكتسبات الإيجابية، يظل التقييم الشامل والفعلي لأداء المجلس مرهوناً بقدرته على الانتقال الحاسم نحو الممارسة الزجرية الوازنة في القطاعات الاستراتيجية الكبرى، وفي مقدمتها سوق المحروقات والمواد الاستهلاكية الأساسية. فالغاية الوظيفية للمجلس لا تتوقف عند حدود التشخيص النظري والتحليل الهيكلي، بل تقتضي بالضرورة تفعيل الجزاءات والعقوبات المالية الصارمة في مواجهة أي توافقات أو ممارسات غير مشروعة، تصون القدرة الشرائية للمواطنين وتحمي الأمن الاقتصادي الوطني من التداعيات العميقة للاحتكار والريع.
ثالثاً: نحو دور فعلي ومؤثر.. أين تكمن مفاتيح التغيير؟
ولتمكين مجلس المنافسة من الاضطلاع بكامل مهامه الدستورية والقانونية، وتجاوز العوائق الناجمة عن الإكراهات الإدارية والمسطرية، يتطلب الأمر اعتماد خارطة طريق استراتيجية ترتكز على المحاور التالية:
الاستقلالية الإجرائية والسرعة في البت: إن الزمن الاقتصادي سريع ومرن، بينما الزمن الإداري غالباً ما يتسم بالبطء؛ لذا فإن تقليص آجال التحقيق والبت في الشكايات والإحالات هو الشرط الأساسي لكي تكون قرارات المجلس ذات أثر وقائي وعلاجي فوري.
الجرأة في تفعيل العقوبات الردعية: إن نجاعة قانون المنافسة تقاس بمدى قدرة المجلس على إشهار ورقة عقوبات تصل إلى نسب مئوية مهمة من رقم المعاملات في وجه الممارسات الاحتكارية، لترسيخ ثقافة أن لخرق قواعد السوق كلفة مالية باهظة لا تحتمل.
التقاطع الإيجابي مع السياسات الحكومية: ينبغي تفعيل آراء المجلس وتوصياتها بصرامة ملزمة أدبياً ومؤسساتياً، وعدم التعامل معها كمجرد استشارات إستئناسية، لا سيما في القطاعات المرتبطة بالمعيش اليومي للمواطنين.
النزول إلى الميدان الاقتصادي الواقعي: عبر تقوية آليات اليقظة الاقتصادية التلقائية والتحقيق الاستباقي دون انتظار الشكايات التقليدية، نظراً لأن جزءاً هاما من الاختلالات والريع يندس في تفاصيل سلاسل الإنتاج والتوزيع والوساطة العشوائية.
إن مجلس المنافسة بالمغرب يمتلك كل المقومات الدستورية والقانونية ليكون “المهندس” الحقيقي لبيئة أعمال سليمة ومستدامة. ولن يتحقق الرهان التنموي المنشود للبلاد، القائم على الاستثمار المنتج والعدالة الاجتماعية، إلا إذا تحول المجلس إلى سلطة ضاربة لا تكتفي بملامسة سطح الظواهر الاقتصادية، بل تفكك بنيات الاحتكار والريع من أساسها، لتصبح المنافسة الحرة واقعاً يعيشه المستهلك المغربي لا مجرد شعار في الوثائق الرسمية.
*الرئيس المؤسس للجامعة الوطنية لجمعيات حماية للمستهلك بالمغرب

