النَّائِبُ الْجُمْهُورِيُّ الْأَمْرِيكِيُّ “جُو وِيلْسُونْ”: الْجَزَائِرُ “دُمْيَةُ رُوسْيَا”… تَنْعَى الْمِينُورْسُو وَتَحْرِقُ أَوْرَاقَهَا فِي لَيْلَةِ الْفِيتُو: مِنِ شِعَارَاتِ “السِّيَادَةِ” إِلَى وَصْمَةِ “الدُّمْيَةِ الرُّوسِيَّةِ”..

النَّائِبُ الْجُمْهُورِيُّ الْأَمْرِيكِيُّ “جُو وِيلْسُونْ”:  الْجَزَائِرُ “دُمْيَةُ رُوسْيَا”… تَنْعَى الْمِينُورْسُو وَتَحْرِقُ أَوْرَاقَهَا فِي لَيْلَةِ الْفِيتُو: مِنِ شِعَارَاتِ “السِّيَادَةِ” إِلَى وَصْمَةِ “الدُّمْيَةِ الرُّوسِيَّةِ”..

عبدالقادر كتـــرة

في السياسة الدولية، نادراً ما يطلق نظامٌ النار على قدميه ثم يصدر بياناً رسمياً يبكي فيه على الجرح؛ غير أن هذا تحديداً ما فعلته الدبلوماسية الجزائرية غداة ليلة الثلاثين من أكتوبر 2026 في مجلس الأمن الدولي.

فبينما كانت خارجية النظام الجزائري تسطر بيان “الأسف البالغ” على عدم تجديد ولاية بعثة “المينورسو” وتهاجم المقاربة الأمريكية الداعمة للحكم الذاتي المغربي، كانت واشنطن ترد بصفعة سياسية مدوية على لسان النائب الجمهوري البارز “جو ويلسون”، الذي نزع عن النظام العسكري الجزائري آخر أوراق التوت، واصفاً إياه صراحةً بأنه مجرد “دمية في يد روسيا”، ومطالباً بمعاقبته وتصنيف صنيعته “البوليساريو” منظمة إرهابية أجنبية.

بين “دموع التماسيح” الجزائرية على بعثة أممية ساهمت الجزائر نفسها في وأدها، والمطرقة الأمريكية التي باتت تضع قصر المرادية وثكنات الجيش في خانة واحدة مع محور الفوضى العالمي، تتكشف فصول مأزق استراتيجي غير مسبوق يعيشه النظام الجزائري نتيجة عقود من الهروب إلى الأمام.

قاتل البعثة يمشي في جنازتها

لفهم حجم المفارقة التي تثير السخرية في الأوساط الدبلوماسية، يكفي النظر إلى المشهد داخل مجلس الأمن.

لقد صاغت الولايات المتحدة مشروع قرار تاريخي يعكس الواقعية السياسية التي يتبناها العالم اليوم: تكريس مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كأساس وحيد للحل، وتغيير اسم البعثة من “المينورسو” إلى “المينوسو” عبر حذف كلمة “الاستفتاء” التي ماتت سريرياً منذ ربع قرن.

حظي المشروع الأمريكي بتأييد 11 دولة في المجلس دون أن يصوت ضده سوى حليف الجزائر التقليدي: روسيا، التي استخدمت حق النقض (الفيتو) استجابةً لاستجداء جزائري محموم.

لكن الحسابات العسكرية الجزائرية اصطدمت بدهاء أمريكي حاسم؛ إذ قابلت واشنطن الفيتو الروسي بفيتو مضاد أسقط المقترح الروسي البديل، لتنتهي ولاية المينورسو قانونياً وميدانياً مع حلول نهاية أكتوبر 2026، وتصدر الأوامر لموظفي البعثة بملازمة مقراتهم استعداداً لطي الصفحة نهائياً.

وهنا تجلت الكوميديا السوداء: النظام الذي استنفر موسكو لذبح المسودة الأمريكية، خرج في اليوم التالي ينعى المينورسو ويحذر من “تغيير طبيعة النزاع”! لقد أرادت المؤسسة العسكرية في الجزائر الحفاظ على “الاستفتاء” كحبر على ورق لاستنزاف المغرب لعقود أخرى، فإذا بها تخسر البعثة الأممية برمتها، وتمنح الرباط الفرصة الذهبية لإغلاق الملف أممياً وتكريس سيادتها الكاملة على الأرض دون وصاية أو رقابة دولية.

أسطورة “القرار السيادي: تسقط أمام وصف «دمية روسيا»

لعقود طويلة، صدّع النظام العسكري الجزائري رؤوس شعبه والعالم بشعارات “السيادة الوطنية المطلقة:، و”رفض الإملاءات”، وإرث “عدم الانحياز”. غير أن ليلة الثلاثين من أكتوبر عرت هذه السردية تماماً أمام الرأي العام الدولي. فالدولة التي تدعي أنها “مجرد مراقب” في نزاع الصحراء، عجزت دبلوماسيتها عن إقناع أعضاء مجلس الأمن بطرحها الانفصالي، فلم تجد ملاذاً سوى الارتماء الكامل في الحضن الروسي لاستخدام الفيتو كأداة تعطيل.

هذا الارتهان الكامل لموسكو هو ما التقطه النائب الجمهوري الأمريكي “جو ويلسون” بدقة جراحية في بيانه الصادر يوم 31 أكتوبر 2026.

لم يتعامل ويلسون مع الجزائر كدولة ذات سيادة تتبنى موقفاً دبلوماسياً مختلفاً، بل وضعها في حجمها الحقيقي كأداة وظيفية تخدم الأجندة الروسية، قائلاً بوضوح إن المستفيدين من إجهاض القرار الأممي هم: “روسيا، ودميتها الجزائر، وإيران، وحزب الله”.

إن وصف النظام الجزائري بـ”دمية روسيا” (Russia’s Puppet) من طرف مشرع أمريكي وازن في لجنتي القوات المسلحة والشؤون الخارجية لا يمكن قراءته كزلة لسان عابرة، بل هو تشخيص استراتيجي بات يترسخ في واشنطن:

1- تحول التحالف إلى تبعية: حين يمول النظام العسكري الجزائري مصانع السلاح الروسية بمليارات الدولارات من أموال الغاز والنفط، ثم يستجدي الحماية الدبلوماسية الروسية في نيويورك لعرقلة مبادرات السلام الأمريكية، فإنه يفقد صفة “الشريك المستقل” ويتحول فعلياً إلى وكيل جيوسياسي لموسكو في شمال إفريقيا والبحر المتوسط.

2- تهديد أمن أوروبا وشمال إفريقيا: يربط الخطاب الأمريكي الجديد بين سلوك النظام الجزائري في قضية الصحراء ودوره المربك في منطقة الساحل والصحراء، حيث يتهم ويلسون القيادة الجزائرية بالمساهمة في نشر الفوضى وزعزعة استقرار شمال إفريقيا وأوروبا خدمةً للمصالح الروسية والإيرانية.

3- إسقاط ورقة “المراقب المحايد”: أثبتت معركة المينورسو أن جبهة البوليساريو ليست سوى واجهة شكلية لقرار يتخذ في ثكنات الجزائر ويُنفذ بغطاء روسي في نيويورك.

الثمن القادم: قانون “كاتسا” ومقصلة الإرهاب

رغم أن تصريحات جو ويلسون تعبر في شكلها القانوني عن موقف داخل الكونغرس وليست قراراً تنفيذياً رئاسياً فورياً، إلا أن قراءتها بمعزل عن المزاج العام في واشنطن تعد سذاجة سياسية.

فالرجل لا يطلق تهديدات في الهواء، بل يقود منذ يونيو 2025 حراكاً تشريعياً من الحزبين (الجمهوري والديمقراطي) لتصنيف جبهة البوليساريو “منظمة إرهابية أجنبية”.

ومع إقدام الجزائر على استدعاء الفيتو الروسي لإفشال مشروع قرار صاغته الإدارة الأمريكية بنفسها، فإن النظام العسكري قد قدم لخصومه في الكونغرس الذخيرة الكاملة لتفعيل مسارين عقابيين:

– تفعيل قانون (CAATSA): وهو القانون الأمريكي الصارم الذي يفرض عقوبات اقتصادية وعسكرية على الدول التي تبرم صفقات تسليح كبرى مع قطاع الدفاع والاستخبارات الروسي. وبما أن ترسانة الجيش الجزائري تعتمد بأكثر من 80% على السلاح الروسي، فإن تفعيل هذا القانون سيعني خنق المنظومة العسكرية والمالية للنظام.

– تجريم البوليساريو دولياً: إدراج الجبهة على قوائم الإرهاب الأمريكية سيحول استضافة الجزائر لقياداتها وتسليحها وتمويلها من “دعم لحركة تحرير” —كما يروج الإعلام الرسمي الجزائري— إلى “رعاية رسمية للإرهاب”، بكل ما يترتب على ذلك من عزلة دولية وملاحقات قانونية.

ثروات الشعب في مهب أوهام الجنرالات

لعل الفقرة الأكثر إيلاماً وصدقاً في موقف النائب الأمريكي جو ويلسون هي تلك التي وجهها ضمنياً للشعب الجزائري حين أكد أن “الجزائر تمتلك كل المقومات لتحقيق مستقبل أفضل ومزدهر لجميع مواطنيها، لو أن قادتها اختاروا التوجه نحو البناء والازدهار بدلاً من الاستمرار في دعم الإرهاب وخدمة الأجندات التخريبية”.

لقد أنفق النظام العسكري الجزائري طوال نصف قرن مئات المليارات من الدولارات لإبقاء نزاع مفتعل على قيد الحياة، ورهن مقدرات بلد قارة لخدمة عقيدة عدائية تجاه جاره الغربي. واليوم، بعد أن طُويت صفحة المينورسو إلى الأبد في 31 أكتوبر 2026، يجد هذا النظام نفسه أمام حصيلة صفرية: فلا هو نجح في فرض “الاستفتاء”، ولا هو أبقى على البعثة الأممية، ولا هو حافظ على كرامته السيادية التي تمرغت في أروقة الكونغرس تحت مسمى “دمية روسيا”.

إنها لحظة الحقيقة التي يكتشف فيها النظام أن الفيتو الروسي الذي احتمى به لم يكن طوق نجاة، بل كان حبل المشنقة الدبلوماسية الذي التف حول عنقه وعنق صنيعته في تندوف.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *