دِمَاءُ أَبْنَاءِ الشَّعْبِ الْجَزَائِرِيِّ فِي رَمْلِ جَحِيمِ صَحْرَاءِ السَّاحِلِ وَرَفَاهِيَّةُ أَبْنَاءِ جِنِرَالَاتِهِ فِي نَعِيمِ عَوَاصِمِ الْغَرْبِ: شُهَدَاءُ بِلَا قَضِيَّةٍ وَأَبْنَاءُ بِلَا حِسَابٍ، صَرْخَةُ الْمُجَنَّدِ الْجَزَائِرِيِّ الْمُوجِعَةُ

دِمَاءُ أَبْنَاءِ الشَّعْبِ الْجَزَائِرِيِّ فِي رَمْلِ جَحِيمِ صَحْرَاءِ السَّاحِلِ وَرَفَاهِيَّةُ أَبْنَاءِ جِنِرَالَاتِهِ فِي نَعِيمِ عَوَاصِمِ الْغَرْبِ: شُهَدَاءُ بِلَا قَضِيَّةٍ وَأَبْنَاءُ بِلَا حِسَابٍ، صَرْخَةُ الْمُجَنَّدِ الْجَزَائِرِيِّ الْمُوجِعَةُ

عبدالقادر كتـــرة

– دماء في رمل الصحراء ورفاهية في عواصم الغرب: مفارقة الجندي المنسي وأبناء الجنرالات.

– من جحيم ماداما إلى جنه باريس: الثمن البشري الباهظ لأجندات النظام الجزائري.

– شهداء بلا قضية وأبناء بلا حساب: صرخة المجند الجزائري في وجه طبقية السلطة.

– حين يُدفع الشاب البسيط إلى محرقة الساحل لينعم ورثة السلطة بنعيم العواصم العالمية.

مسرحان مختلفان.. ووطن منقسم:

بينما ترتفع درجات الحرارة القياسية وتشتد قسوة العواصف الرملية في أعمق نقاط الصحراء الكبرى، يواجه آلاف الشباب الجزائريين المكلفين بالخدمة العسكرية أو المهام الميدانية مصيراً مجهولاً في قواعد نائية مثل “ماداما” بصحراء النيجر التي هجرها الجنود الفرنسيون وغيرها من بؤر التوتر على حدود الساحل.

وفي المقابل، على بعد آلاف الكيلومترات، في أرقى أحياء باريس ولندن وجنيف، ينعم أبناء الجنرالات وكبار المسؤولين الجزائريين برغد العيش، متوسدين مقدرات بلد غني ضاعت بوصلته.

إنها المفارقة الأقسى والأكثر ظلماً في واقعنا المعاصر: جيل يُدفع إلى جحيم الموت المجاني حمايةً لأوهام سياسية وتفاهمات إقليمية مشبوهة، وجيل آخر يقتات على ريع الدولة ويحصد امتيازاتها دون أن يدفع أي ثمن.

الجندي المنسي.. حين يُطلب الموت بلا قضية: إن أبسط ما يرتكز عليه أي جيش نظامي هو عقيدة وطنية واضحة يدافع من خلالها الجندي عن سيادة وطنه وأمنه القومي المباشر. غير أن ما يعيشه المجند الجزائري اليوم يشكل اغتراباً تاماً عن هذه القاعدة؛ فهو لا يُرابط على حدود وطنة المعترف بها لدحر عدو يحمي حمى البلاد، بل يُزج به في أتون حرب وكالة وصراعات معقدة في الساحل الأفريقي، لا له فيها ناقة ولا جمل سوى تنفيذ أجندات فوقية تهدف إلى إنقاذ شرذمة جبهة “البوليساريو” الانفصالية، أو حماية النفوذ الروسي وفيلق “فاغنر” مقابل صفقات دبلوماسية فاشلة كفيتو مجلس الأمن.

يقف الجندي الشاب في مهب الريح، يتساءل بمرارة: “لمن أقاتل؟ ولماذا أترك أمي وأسرتي لأواجه الموت في صحراء لا تعني لي شيئاً؟”

مفارقة العواصم العالمية: عندما يصبح الوطن ريعاً خاصاً: وتتضاعف غصة الشاب الجزائري حين يرفع بصره ليرى الهوة السحيقة بين واقعه ومصير أبناء الطبقة الحاكمة.

فبينما يُترك الشاب البسيط لقمة سائغة للأوبئة، والظروف المناخية القاسية، ومخاطر الجماعات الإرهابية وتجارة السلاح، تقضي “نخبة الجنرالات والمسؤولين” أوقاتها في بحبوحة العواصم العالمية، حيث الجامعات المرموقة، والعقارات الفارهة، والأرصدة المفتوحة من أموال الخزينة العامة.

هؤلاء الشباب لا يعرفون من شقاء الجزائر شيئاً سوى أنهم “ورثتها الشرعيون”، يرتعون في خيراتها بينما يُطلب من أبناء الشعب وحدهم أن يدفعوا دماءهم مهراً لبقاء الكراسي وتأبيد النفوذ.

أمن الدولة أم أمن الكرسي؟: إن هذه المقايضة الدموية التي تجعل من حياة الإنسان الجزائري رخيصاً في سبيل توازنات إقليمية وهمية، تكشف عن عورات عقيدة أمنية تجعل من بقاء النظام وخدمة الأجندات الخارجية أولوية تتقدم على سلامة المواطن وكرامته.

فالنظام الذي يعجز عن توفير فرص العمل ومقومات العيش الكريم لشبابه في الداخل، يبرع في إيجاد ميزانيات ضخمة لتمويل المرتزقة وحروب الوكالة، مستنزفاً أرواح زهرة شباب الجزائر في معارك عبثية.

خاتمة: إلى متى يستمر هذا النزيف؟

إن التاريخ يخبرنا بأن الشعوب قد تصبر على شظف العيش، لكنها لا تستطيع أن تغفر الاستخفاف بدمائها والتفاوت الفاضح في تقاسم المخاطر والأكفان. إن صرخة المجند الجزائري المرابط في جحيم الصحراء، مقابل رفاهية أبناء الطبقة المتنفذة في عواصم العالم، هي جرس إنذار مدوٍ يضع النظام أمام مسؤوليته التاريخية والأخلاقية.

وطن لا يحمي أبناءه ولا يساوي بين مواطنيه في الحقوق والمخاطر، ويجعل من دماء شبابه رصيداً في بازار السياسة الدولية، هو وطن يُسير بخطى حثيثة نحو الهاوية. آن الأوان لتستيقظ الضمائر، وتتوقف هذه المحرقة العبثية التي لا تخدم سوى بقاء من لا يستحقون البقاء.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *