فِيتُو رُوسْيَا يُسْقِطُ حَرْفَ R، وَفِيتُو أَمْرِيكَا الْمُضَادُّ يُسْقِطُ “الْمِينُورْسُو”… وَالسِّحْرُ يَنْقَلِبُ عَلَى السَّاحِرِ فِي نْيُويُورْكَ: الْفِيتُو الْمُتَبَادَلُ يَدْفِنُ الْمِينُورْسُو، وَالْجَزَائِرُ تَحْصِدُ الْخَرَابَ الدِّبْلُومَاسِيَّ
عبدالقادر كتـــرة
كيف انقلب السحر على الساحر؟
بينما كانت نية واشنطن المبيّنة في مشروع قرارها نزع حرف (R) الذي يرمز إلى خيار “الاستفتاء” (Référendum) الأبدي من اسم ومهمة بعثة “المينورسو”(وتحويلها من MINURSO إلى MINUSO) لحصر الحل في الحكم الذاتي، أدت الحسابات الخاطئة والتصعيد المتقاطع بين “الفيتو الروسي” المعارض للمشروع الأمريكي و”الفيتو الأمريكي المضاد” المعارض للمشروع الروسي إلى تعطيل قرار التمديد برمته، ليجد الطرفان (موسكو والجزائر) أنفسهما أمام سقوط الهيكل الأممي للبعثة ككل، وهو ما استثمره المغرب ببراعة سياسية عبر بلاغ الديوان الملكي ليعلن طي صفحة “المينورسو” برمتها.
في عالم الدبلوماسية الدولية، غالباً ما تقود الحسابات المعقدة والمعارك الجانبية بين الكبار إلى نتائج لم تكن في الحسبان. هذا ما جرى يوم الجمعة 30 أكتوبر 2026 في مجلس الأمن الدولي؛ إذ أرادت الولايات المتحدة الأمريكية تعديل صياغة قرارها حول الصحراء المغربية لنزع حرف (R) الرمز الأبدي لخيار “الاستفتاء” (Référendum) من قاموس البعثة الأممية، فإذا بروسيا تشهر “الفيتو” لنسف النص الأمريكي بالكامل، لتندلع معركة كسر عظم انتهت بفيتو أمريكي مضاد أسقط المشروع الروسي البديل.
هذا الصدام المزدوج لم يخرج منه خاسر سوى معسكر الأطروحة الانفصالية وحلفائه، ليجد المغرب نفسه أمام فرصة استراتيجية تاريخية حسمها بلاغ الديوان الملكي بـ”إنهاء مهام بعثة المينورسو برمتها”، معلناً طي صفحة وصاية أممية استمرت ثلاثة عقود وأمست عبئاً على واقع السيادة والاستقرار.
1. قصة “الحرف الناقص” والفيتو الذي أطاح بالهيكل الأممي
انطلقت فصول المعركة الدبلوماسية عندما صاغت الإدارة الأمريكية (عبر الخارجية بقيادة ماركو روبيو) مسودة قرار حاسمة تهدف لدفن مرجعية الاستفتاء نهائياً وتكريس مقترح الحكم الذاتي المغربي كأفق وحيد، متضمنةً خطة لتقليص وإنهاء الوجود العسكري للبعثة بحلول أكتوبر 2027. لكن موسكو، التي استفزها انفراد واشنطن بصياغة الحلول الإفريقية دون تنسيق معها، أقدمت على خطوة غير مسبوقة بإشهار حق النقض (الفيتو) لإسقاط المسودة الأمريكية حماية لحليفتها الجزائر.
ولمحاولة تدارك الموقف، طرحت روسيا مشروع قرار بديل يكرس تمديداً كلاسيكياً مؤقتاً للمينورسو دون تغيير. وهنا جاء الرد الأمريكي الحاسم عبر فيتومضاد أسقط المشروع الروسي بعد عجزه الساحق عن جمع النصاب القانوني (اقتصر على 3 أصوات يتيمة مقابل 11 صوتاً مع الطرح الأمريكي).
هذا التعطيل المزدوج أدى إلى انتهاء ولاية بعثة “المينورسو” رسمياً مع منتصف ليلة 31 أكتوبر 2026 دون صيغة إجرائية للتمديد، لتدخل المنظومة الأممية في فراغ قانوني وميداني غير مسبوق.
2. بلاغ الديوان الملكي: تحويل أزمة الفراغ إلى مكاسب استراتيجية
عوض أن ترتهن الدبلوماسية المغربية لحالة “الشلل الأممي” أو تقبل بمساومات الربع ساعة الأخير، التقط المغرب بحنكة سياسية رفيعة هذه اللحظة الاستثنائية.
وجاء بلاغ الديوان الملكي ليعلن بوضوح أن تعذر تمديد البعثة بسبب صراع الفيتوات المتبادلة يمثل نهاية طبيعية ومنطقية لمهمة استنفدت أغراضها، معلناً إلغاء وجود “المينورسو” برمتها.
هذا التبرير الملكي الحازم يستند إلى ركائز واقعية راسخة:
– انتفاء المبرر الموضوعي: إن بعثة أُسست لمراقبة وقف إطلاق نار وهمي وإحصاء ناخبي “استفتاء مستحيل” (وهو ما أقره السفير الأمريكي صراحة بقوله “الاستفتاء لن يحدث”) لم تعد تملك أي شرعية استمرار بعد أن أقرّ 11 عضواً في مجلس الأمن بأن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الأساس الحصري للحل.
– التحرر من قيود الابتزاز السنوي: طالما شكلت طقوس التجديد السنوي لولاية المينورسو مناسبة للابتزاز الدبلوماسي ومحاولات التشويش من قبل الخصوم. ووضع الحد للبعثة يحرر الأقاليم الجنوبية من أي وصاية بيرقراطية معطلة للتنمية.
– ممارسة السيادة المطلقة: يتيح غياب البعثة الأممية للمغرب بسط سلطته الأمنية والتنموية الكاملة على كافة ربوع أراضيه، مسنداً بإجماع دولي متنامٍ واعترافات واسعة بسيادته على صحرائه.
3. الجزائر والبوليساريو: صدمة السقوط في الفراغ والعزلة التامة
في الوقت الذي كانت فيه الدبلوماسية الجزائرية تمني النفس بأن يحمي “الفيتو الروسي” أطروحتها البائدة، انقلب السحر على الساحر بشكل كارثي.
– لقد خسرت الجزائر رهانها بعد أن ضحت بسيادتها الاستراتيجية ومصالحها جنوباً للكرملين مقابل “فيتو” عطل القرار الأمريكي لكنه لم يقدم أي بديل سياسي.
– أما جبهة “البوليساريو”، فوجدت نفسها فجأة خارج السياق الأممي تماماً؛ فلا استفتاء بقي، ولا بعثة أممية ترعى أوهامها، ولا أصدقاء في مجلس الأمن يحضون بنصاب قانوني (إذ لم يحصد الطرح الروسي-الجزائري سوى 3 أصوات).
لقد أثبت المغرب، بقيادة الملك محمد السادس، أن قوة الحق وثبات الميدان تفوقان كل مناورات الكواليس. وبسقوط المينورسو في فخ الفيتو المتبادل، طوى المغرب صفحة ماضٍ عقيم، وافتحح عصراً جديداً من تكريس السيادة التامة على أقاليم الصحراء، بمعزل عن وصاية أممية أكل الدهر عليها وشرب.

