وَاشِنْطُنُ تَحْسِمُ الْخِيَارَ بِإِنْهَاءِ بَعْثَةِ “الْمِينُورْسُو”، مُوسْكُو تَسْتَخْدِمُ الْفِيتُو لِإِنْقَاذِ حَلِيفِهَا الْمَأْزُومِ، وَالْمَغْرِبُ يُكَرِّسُ مُكْتَسَبَاتِهِ… عُزْلَةُ الْبُولِيسَارْيُو تَتَفَاقَمُ وَمُوسْكُو تُقَامِرُ بِشَرَاكَتِهَا مَعَ الرِّبَاطِ
عبدالقادر كتـــرة
شكّلت جلسة مجلس الأمن الدولي يوم الجمعة 30 أكتوبر 2026 محطة مفصلية في مسار النزاع الإقليمي المفتعل حول الصحراء المغربية؛ إذ لم تكن مجرد مواجهة إجرائية عابرة، بل مثلت ذروة كسر عظم دبلوماسي غير مسبوق بين موسكو وواشنطن، وتحركاً استراتيجياً مكشوفاً لحماية حليف الكرملين التقليدي في المنطقة (الجزائر) من عزلة دبلوماسية تامة، بعد أن باتت المسودة الأمريكية تهدد بنسف أطروحة “الاستفتاء” جذرياً من القاموس الأممي.
شهدت جلسة مجلس الأمن مواجهة مزدوجة وحاسمة؛ إذ حصد المشروع الأمريكي 11 صوتاًمؤيداً مقابل امتناع 3 دول (بينها الصين وباكستان) وصوت روسي واحد معارض (فيتو) أسقط القرار. ورداً على ذلك، طرحت روسيا مسودة بديلة تقضي بتمديد تقني كلاسيكي لبعثة “المينورسو” لعام إضافي دون تغيير في مهامها، إلا أن المشروع الروسي سقط بدوره بعد فشله في جمع النصاب القانوني (حصل على 3 أصوات فقط) وتلويح واشنطن بالفيتو المضاد.
1. لماذا استعملت روسيا “الفيتو” اليوم بدلاً من الامتناع كعادتها؟
طوال السنوات الماضية (بما في ذلك القرار 2797 الصادر في أكتوبر 2025)، دأبت روسيا على اعتماد خيار “الامتناع عن التصويت” إمساكاً للعصا من المنتصف بين الرباط والجزائر.
لكن انتقال موسكو اليوم إلى “الفيتو” الصريح يعود جذرياً إلى طبيعة المسودة الأمريكية الحاسمة التي صاغتها إدارة واشنطن (عبر السفير مايك والتز وبتوجيه من الخارجية الأمريكية بقيادة ماركو روبيو)، والتي تضمنت بنوداً اعتبرتها موسكو والجزائر “نقطة لا عودة”:
– تصفية خيار الاستفتاء وتغيير اسم البعثة: نص المشروع الأمريكي بوضوح على إسقاط كلمة “الاستفتاء” نهائياً من تسمية البعثة الأممية (MINURSO)، وهو ما أكده السفير الأمريكي مايك والتز عقب التصويت بقوله الحاسم إن “الاستفتاء لن يحدث”.
– تكريس مبادرة الحكم الذاتي كأفق وحيد: لم يكتفِ النص الأمريكي بوصف المبادرة المغربية بالجادّة وذات المصداقية، بل نصّ صراحة على اعتماد مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كأساسحصريووحيد للمفاوضات وحل النزاع.
– جدول زمني لإنهاء الشق العسكري للبعثة: تضمنت المسودة خطة صارمة لتقليص الأفراد العسكريين للبعثة بنسبة 50% بحلول 31 يناير 2027، وإنهاء مهام حفظ السلام العسكرية في 30 أبريل 2027، وتحويلها إلى “بعثة سياسية خاصة” تنتهي في أكتوبر 2027، بدعوى ترشيد النفقات وإنهاء البعثات غير الفعالة.
– رفض الانفراد الأمريكي (حاملةالقلم): تعتبر موسكو أن واشنطن استغلت صفتها كـ”حاملة للقلم” لفرض أمر واقع جيوسياسي في شمال إفريقيا دون التشاور معها، مما دفعها لإشهار الفيتو لإثبات أنه لا يمكن هندسة تسويات نهائية في القارة الإفريقية بتهميش الدور الروسي.
2. حقيقة “المقايضة الكبرى” بين روسيا والجزائر
التحول الروسي المفاجئ من الحياد الإيجابي إلى استخدام “الفيتو” لم يكن مجانياً، بل جاء ثمرة تقاطع مصالح استراتيجية ومقايضات جيوسياسية وعسكرية طفت على السطح عشية التصويت، وتحديداً خلال القمةالروسية-الإفريقيةالثالثة التي احتضنتها موسكو يومي 28 و29 أكتوبر 2026 (قبل 24 ساعة فقط من جلسة مجلس الأمن).
وتتلخص أبعاد هذه المقايضة في أربعة محاور أساسية:
1 -الغطاء الدبلوماسي والأممي: إشهار موسكو لـ”الفيتو” لإسقاط المسودة الأمريكية وإنقاذ الموقف التفاوضي للجزائر و”البوليساريو” بعد الهزيمة المدوية في اللجنة الرابعة (قرار الـ152 صوتاً الداعم للحكم الذاتي)، مقابل اصطفاف جزائري مع الرؤية الروسية في المحافل الدولية وإعلان الرئيس بوتين دعمه لـ”تقرير المصير”.
2- التنسيق الأمني في الساحل الإفريقي: تخفيف التوتر الروسي-الجزائري بشأن تحركات “الفيلق الإفريقي” (فاغنر سابقاً) في مالي والنيجر على الحدود الجنوبية للجزائر، مقابل غضّ الطرف الجزائري عن التمدد العسكري الروسي وتسهيل لوجستيكه كبوابة نحو العمق الإفريقي.
3- سوق السلاح والعقود العسكرية: التزام روسي بتسريع تسليم منظومات دفاعية وجوية متطورة للجيش الجزائري رغم ضغوط حرب أوكرانيا، مقابل الحفاظ على مكانة الجزائر كأكبر زبون للسلاح الروسي في إفريقيا وتوفير سيولة نقدية بالعملة الصعبة للكرملين.
4- ملف الطاقة والغاز: تنسيق المواقف داخل منتدى الدول المصدرة للغاز (GECF) وتحالف “أوبك+” للحفاظ على أسعار الطاقة مرتفعة، وعدم استغلال الجزائر لأزمة الطاقة الأوروبية لإزاحة الحصة السوقية الروسية.
3. المأزق القانوني: بقاء المكتسبات وعزلة الطرح الانفصالي
أدى سقوط المشروع الأمريكي بالفيتو الروسي، وسقوط المشروع الروسي المضاد بالرفض الأمريكي وعدم حصوله على النصاب، إلى وضع استثنائي مع انتهاء ولاية بعثة “المينورسو” رسمياً. غير أن قراءة المشهد تؤكد حقيقتين ساطعتين:
– فرضيةالتمديد التقني: اضطرار أعضاء المجلس للبحث عن توافق سريع على قرار تقني مقتضب لتفادي الفراغ القانوني واللوجستي على الأرض.
– تحصين المكتسبات المغربية: قانونياً ودبلوماسياً، الفيتو الروسي يُسقط فقط “مشروع القرار الجديد” ولا يلغي القرارات الأممية السابقة (وآخرها القرار 2797 لعام 2025). والأهم من ذلك، أنه كشف عن عزلة الطرح الانفصالي وأذرعه داخل المجلس بتصويت 11 دولةمنأصل 15 لصالح جعل الحكم الذاتي المغربي الأساس الوحيد للحل، معلناً نهاية أسطورة الاستفتاء بقرار دولي لا رجعة فيه.

