اياك أعنى واسمعي يا جارة…المغرب سيظل في صحرائه والصحراء في مغربها
عبد القادر البدوي
رُبَّ ضارةٍ نافعة هو مثل عربي شهير يُضرب عند وقوع أمر يبدو في ظاهره سيئاً ومؤلماً (نقمة أو مصيبة)، لكنه في باطنه يحمل خيراً كثيراً أو فائدة غير متوقعة للإنسان، فسيناريو ما وقع للكراغلة وهم يصوتون – في حيرة من امرهم – في اللجنة الرابعة على القرار الاممي 2797، هو نفسه الذي تكرر ليلة أمس عندما صوتت حليفة العصابة، روسيا على عدم تمديد مهمة بعثة المينورسو.
وحسب ما تم استنتاجه من خلال قرار الاتحاد الروسي – حسب ملاحظين – فالولايات المتحدة أرادت إسقاط حرف الـ R فقط من بعثة المينورسو، فجاءت روسيا وأسقطت المينورسو بأكملها، وهو ما اعتبره مراقبون ان بلاد البلاشفة قدمت هدية للمغرب على طبق من ذهب …وهذا ما أكده رسميا السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز في تصريح صحفي، بان بعثة المينورسو ستنتهي غدا بسبب قرار الفيتو الروسي المفاجئ…
وكانت روسيا قد استخدمت كما هو معلوم، حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن ضد مشروع القرار الأمريكي بشأن الصحراء المغربية لرفض التغييرات المتعلقة بالمنورسو التي سعت الولايات المتحدة إلى إدخالها على إطار تسوية النزاع، ورفضت روسيا المقترح الأمريكي الذي نص على تغيير اسم بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء المغربية (مينورسو) وحذف إشارة الاستفتاء من ولايتها، بالإضافة إلى مطالبة الأمين العام بإعادة النظر في هيكلتها وقوامها.
وحظي مشروع القرار الذي صاغته الولايات المتحدة الأمريكية، بصفتها حاملة القلم في ملف الصحراء، بتأييد 11 عضواً من أعضاء مجلس الأمن، مقابل امتناع ثلاثة أعضاء عن التصويت، هم الصين وباكستان والصومال، فيما صوتت روسيا الاتحادية ضده، مستخدمة حق النقض (الفيتو)، ما حال دون اعتماده.
وفي مستهل الجلسة، وافقت رئيسة مجلس الأمن على مشاركة ممثل الجزائر في المناقشات، استنادا إلى المادة 37 من النظام الداخلي المؤقت للمجلس رغم عدم امتلاكه على حق التصويت.
وكان المشروع الأمريكي ينص على اعتماد مقترح الحكم الذاتي المغربي الموسع والمحيّن أساسا وحيدا للمناقشات السياسية الرامية إلى التوصل إلى تسوية للنزاع، مع دعوة الأطراف المعنية إلى الانخراط بصورة نشطة وبناءة في المفاوضات انطلاقا من هذا المقترح، واعتبار الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية الحل الأكثر قابلية للتطبيق.
وما لفت انتباه ممثلي المنتظم الدولي الرفض القاطع لمناورات روسيا، وهي تطرح مشروع قرار بديلاً يقضي بتمديد ولاية بعثة “المينورسو” لمدة عام إضافي حتى 31 أكتوبر 2027، مع الإبقاء على اسمها الحالي وطبيعة مهامها دون تعديل، وهو المشروع الذي لم يحصل بدوره على النصاب اللازم بعد استخدام الولايات المتحدة للفيتو ضده لاحقاً، وبرفض اغلبية أعضاء المجلس تكون روسيا قد اعدمت وجود بعثة المينورسو بصفة نهائية.
ومهما يكن من امر، فبيان الديوان الملكي أثلج صدور المغاربة، وجاء صريحا وواضحا وقاطعا، لا لبس فيه، وجاء كالتالي:
“لم يقم مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، خلال اجتماعه المنعقد اليوم 30 أكتوبر 2026، بتمديد مهمة بعثة المينورسو، وهو ما يشكل تطورا هاما، وخطوة ذات دلالة كبرى في اتجاه الطي النهائي لملف الصحراء المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة.
ويتزامن هذا التطور البارز مع تخليد “عيد الوحدة”، الذي أقره صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، لتجسيد القطيعة في التعاطي مع هذا الملف، والانتقال من مجرد منطق التدبير إلى مقاربة مبنية على التحول العميق للمحددات.
وهكذا، فإن عدم تمديد مهمة “المينورسو” يعني بوضوح أن تواجد هذه البعثة في الأقاليم الجنوبية للمملكة، لاسيما من خلال طواقمها ومركباتها ومعداتها ورموزها، ينبغي أن ينتهي في الأيام المقبلة.
إنها صفحة دامت 35 سنة، تم طيها من الآن فصاعدا. فهذه البعثة، الموروثة عن سياق عفا عليه الزمن، شكلت لفترة طويلة أداة لتدويل النزاع الإقليمي المتعلق بالاسترجاع المشروع للمملكة المغربية لأقاليمها الصحراوية.
وعلاوة على ذلك، فإن عدم التمديد لمهمة المينورسو يتعين أن يضع حدا لإحالة هذا الملف على مجلس الأمن، وسحب هذه القضية من جدول أعماله. وبناء عليه، لن يبقى أَي مبرر لانعقاد الاجتماعات النظامية الدورية للمجلس المخصصة للصحراء المغربية، ولا لتقارير الأمين العام للأمم المتحدة ذات الصلة، ولا لإحاطات مبعوثه الشخصي.
وهكذا، يتوقف المسار السياسي الأممي، الذي اتسم للأسف بمماطلة الأطراف الأخرى، وإصرارها على خلق حالة من الجمود وإدامة الوضع الراهن. كما سيتم اتخاذ خطوات مماثلة في القريب العاجل داخل هيئات أخرى تابعة للأمم المتحدة.
وفي الوقت الذي يعرب فيه المغرب عن ارتياحه لهذا التطور، يظل متمسكا بقوة بوقف إطلاق النار، مع الاحترام التام لسلامة ووحدة أراضيه، وأمنه الوطني، وطمأنينة مواطنيه.
ومن ناحية أخرى، فإن الدينامية الدولية التي أطلقها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، حفظه الله، ستتواصل على المستويين الثنائي والإقليمي. وقد مكنت هذه الدينامية، بالفعل، من حشد دعم هام؛ إذ يؤيد أكثر من ثلثي أعضاء منظمة الأمم المتحدة، بمن فيهم أعضاء دائمون في مجلس الأمن وقوى دولية مؤثرة، بوضوح مبادرةَ الحكم الذاتي، في إطار السيادة المغربية، باعتبارها الإطار الوحيد لحل هذا النزاع الإقليمي”.

