مِنْ “جُمْهُورِيَّةِ السِّجِلَّاتِ الْوَهْمِيَّةِ” إِلَى “كُولُومْبِيَا إِفْرِيقِيَا”.. نِظَامُ الْجِنِرَالَاتِ يُحَوِّلُ الْجَزَائِرَ إِلَى مُسْتَنْقَعٍ لِلْفَسَادِ وَالْمَافْيَا الْمَالِيَّةِ وَكَارْتِيلَاتِ الْمُخَدِّرَاتِ وَجَمَاعَاتٍ إِرْهَابِيَّةٍ
عبدالقادر كتـــرة
حين تعلن الأجهزة الأمنية والقضائية في الجزائر، في ظرف أيام معدودة، عن تفكيك شبكات إجرامية تلاعبت بأكثر من 9200 مليار سنتيم عبر سجلات تجارية وهمية، بالتزامن مع حجز ملايين الكبسولات من المؤثرات العقلية الخطيرة، فإننا لم نعد أمام قضايا جنح أو جرائم معزولة، بل أمام مرآة عاكسة لبنية دولة تآكلت مؤسساتها من الداخل.
تحت حكم النظام العسكري، لم تعد الثروة الوطنية تُستنزف في الخفاء فحسب، بل تحولت البلاد تدريجياً إلى بيئة حاضنة لكارتيلات المال الفاسد، وتجارة السموم، وشبكات التهريب العابرة للحدود التي تتقاطع مصالحها مباشرة مع الجماعات الإرهابية والمرتزقة في منطقة الساحل والصحراء.
جمهورية “السجلات الوهمية” ومستنقع الفساد المهيكل
تكشف قضية الشبكة التي استغلت أكثر من 400 سجل تجاري صوري لتمرير معاملات مالية غير شرعية وتبييض الأموال، عن حجم الخراب الذي أصاب المنظومة الاقتصادية والرقابية في الجزائر.
إن إلحاق ضرر بالخزينة العمومية يفوق 9200 مليار سنتيم (نحو 92 مليار دينار جزائري) لا يمكن أن يتم عبر “مغامرين” يعملون في الظل، بل يتطلب غطاءً نافذاً وتواطؤاً هيكلياً يمتد عبر مفاصل الإدارة، والبنوك، والجمارك، وأجهزة الرقابة.
الأكثر إثارة للانتباه في هذه الفضيحة هو المفارقة الصارخة بين حجم الجريمة وحصيلة الاسترجاع؛ فمن أصل 9200 مليار سنتيم جرى التلاعب بها، لم تتمكن السلطات من استرجاع سوى 23 مليار سنتيم نقداً (أي أقل من ربع الواحد في المئة من حجم الضرر).
هذه الفجوة السحيقة تؤكد أن المليارات المنهوبة قد جرى تهريبها بالفعل إلى الخارج بالعملة الصعبة أو تبييضها في أصول غير قابلة للتتبع، بينما يُقدَّم بضعة موقوفين أمام “القطب الجزائي الاقتصادي والمالي” كأكباش فداء لامتصاص الغضب الشعبي، أو في إطار تصفية الحسابات المستمرة بين أجنحة السلطة العسكرية وأذرعها المالية.
“كولومبيا إفريقيا”.. إغراق المجتمع بالسموم وحبوب الهلوسة
بالتوازي مع النزيف المالي، تشهد الجزائر تحولاً خطيراً جعل كثيراً من المراقبين يصفون واقعها الأمني والاجتماعي بـ “كولومبيا إفريقيا”. فالأرقام المعلنة مؤخراً حول ضبط 2.4 مليون كبسولة من عقار “بريغابالين” (المعروف شعبياً بالصاروخ) بقيمة تناهز 250 مليار سنتيم، والتي سبقتها بأيام عملية أخرى بنفس القيمة شملت حجز أكثر من 630 دراجة نارية وعشرات المركبات الفاخرة المستخدمة في تبييض عائدات السموم، ليست سوى قمة جبل الجليد.
لقد تحولت الجزائر من منطقة عبور إلى سوق استهلاكية ضخمة ومقر لكارتيلات ترويج المخدرات الصلبة والأقراص المهلوسة.
في ظل انسداد الأفق السياسي والاقتصادي، وتفشي البطالة، ترك النظام العسكري فئة الشباب فريسة سهلة لعصابات “البريغابالين” التي باتت تتحكم في الأحياء والمدن وتغذي جرائم العنف المروع. ومن المستحيل منطقياً وأمنياً أن تعبر ملايين الأقراص المهلوسة الحدود والموانئ والمسالك الطرقية المحروسة بترسانة من الحواجز الأمنية دون وجود “بارونات” يتمتعون بحصانة غير معلنة داخل منظومة الحكم.
شريان التهريب الجنوبي.. ثكنة للإرهاب والفوضى في الساحل
لا يمكن فصل ما يجري في شمال الجزائر عن فوضى الجنوب والعمق الصحراوي. فتفكيك شبكات التهريب في ورقلة —والتي كان آخرها ضبط أكثر من 5031 هاتفاً ذكياً مهرباً بقيمة تقارب 9 ملايير سنتيم— يكشف عن نشاط محموم لشرايين التهريب الممتدة من حدود الساحل نحو الشمال.
هذه المسارات الصحراوية لا تُستخدم لتهريب الهواتف والسلع والوقود المدعم فحسب، بل هي ذاتها الممرات الحيوية لتهريب السلاح، والاتجار بالبشر، وتزويد الجماعات الإرهابية والميليشيات المسلحة في مالي والنيجر بالتمويل والإمدادات اللوجستية.
لطالما استخدم نظام الجنرالات ورقة “مكافحة الإرهاب” في الساحل كأداة للابتزاز الجيوسياسي وتبرير عسكرة الدولة بالداخل، غير أن الواقع الميداني فضح ازدواجية هذا الدور:
– تغذية بؤر التوتر: تحولت المناطق الحدودية الجنوبية إلى ملاذات خلفية وشريان حياة مالي للتنظيمات المتطرفة التي تفرض إتاوات على قوافل التهريب العابرة بتساهل أو غض طرف من الأجهزة المتحكمة في المنطقة.
– الاعتماد على المرتزقة والوكلاء: بدلاً من بناء شراكات استقرار حقيقية مع دول الجوار، راهن النظام الجزائري على تحالفات مشبوهة مع جماعات مسلحة ومرتزقة في صحراء الساحل، وهو ما أدى في النهاية إلى عزلة دبلوماسية خانقة للجزائر بعد طرد نفوذها من مالي والنيجر وبوركينا فاسو.
تداعيات خطيرة على مستقبل الجزائر والمنطقة
إن تضافر هذه العوامل الثلاثة —مافيا الفساد المالي، كارتيلات المخدرات والمهلوسات، والتورط في مستنقع الإرهاب بالساحل— يضع الجزائر والمنطقة المغاربية والإفريقية أمام سيناريوهات بالغة الخطورة:
1- انهيار العقد الاجتماعي والأمن الداخلي: استمرار نهب المليارات مقابل إغراق الشارع بالحبوب المهلوسة يعني تدمير النسيج الاجتماعي الجزائري، وتحويل النقمة الاجتماعية الصامتة إلى انفجارات أمنية واجتماعية يصعب احتواؤها بالقبضة الحديدية.
2- تجفيف مقدرات الدولة: مع هيمنة اقتصاد “السكوار” (السوق السوداء للعملة) والشركات الوهمية، تفقد الدولة قدرتها على بناء اقتصاد منتج، وتظل رهينة لتقلبات ريع المحروقات الذي يُنهب جزء كبير منه عبر قنوات الاستيراد التضخيمي والتزوير.
3- تهديد الأمن الإقليمي والدولي: إن تحول دولة بحجم الجزائر وموقعها الجغرافي إلى بؤرة لتصدير الأزمات، وممر للمخدرات والهجرة غير النظامية، وحاضنة للفوضى في الساحل، يجعل من استمرار نهج الحكم العسكري الحالي خطراً مباشراً لا يهدد حاضر ومستقبل الشعب الجزائري وحده، بل يضرب في الصميم استقرار شمال إفريقيا وحوض المتوسط بأكمله.

