مِنْ ثُكَنَاتِ الدَّاخِلِ إِلَى رِمَالِ “مَادَامَا” الْحَارِقَةِ: بِأَيِّ مَعْنَوِيَّاتٍ يُوَاجِهُ الْجُنُودُ الْجَزَائِرِيُّونَ الشَّبَابُ جحبم الساحل…حِسَابَاتُ السِّيَاسَةِ تَصْطَدِمُ بِوَاقِعِ جُنُودِ مُنْهَكِينَ بِلَا خِبْرَةٍ فِي صحراء النيجر

مِنْ ثُكَنَاتِ الدَّاخِلِ إِلَى رِمَالِ “مَادَامَا” الْحَارِقَةِ: بِأَيِّ مَعْنَوِيَّاتٍ يُوَاجِهُ الْجُنُودُ الْجَزَائِرِيُّونَ الشَّبَابُ جحبم الساحل…حِسَابَاتُ السِّيَاسَةِ تَصْطَدِمُ بِوَاقِعِ جُنُودِ مُنْهَكِينَ بِلَا خِبْرَةٍ فِي صحراء النيجر

عبدالقادر كتـــرة

على وقع تحول استراتيجي غير مسبوق منذ أكثر من خمسة عقود، دخل قرار إرسال وحدات من الجيش الجزائري إلى شمال النيجر حيز التنفيذ، واضعاً حداً لعقيدة عسكرية طالما تفاخرت بعدم التدخل خارج الحدود منذ عام 1973.

غير أن هذا القرار، الذي مرّ عبر جلسات برلمانية مغلقة وتبريرات جيوسياسية كبرى، سرعان ما اصطدم بواقع ميداني صادم كشفته الصور الأولية المتداولة لوصول المفرزة العسكرية إلى قاعدة “ماداما” في أقصى شمال النيجر؛ حيث ظهر الجنود في حالة إعياء شديد داخل مرافق بدائية تفتقر لأبسط مقومات الجاهزية العسكرية.

صدمة الميدان: واقع لوجستي يكذب الشعارات

تُختزل المأساة الميدانية في مشهد بسيط ولكنه بالغ الدلالة: جنود شباب يفترشون أغطية خفيفة فوق أرضية مبلطة باردة، يستندون إلى جدران متقشرة الطلاء، وقد خلعوا أحذيتهم العسكرية الثقيلة ليرتدوا نعالاً بلاستيكية بسيطة طلباً للراحة بعد رحلة شاقة، وبجوارهم قنينات مياه فارغة وأمتعة مكدسة بشكل عشوائي.

هذا المشهد لا يعكس بأي حال من الأحوال صورة “قوة إقليمية” تتحرك لملء الفراغ الدولي في الساحل، بل يكشف عن قصور لوجستي فادح في تأمين بيئة استقبال تحفظ كرامة الجندي وتصون جاهزيته البدنية. فقاعدة “ماداما”، التي تقع في مثلث حدودي قاحل ومعزول بين النيجر وليبيا والجزائر، تُعد من أقسى المناطق المناخية في القارة، والزج بقوات عسكرية فيها دون تجهيزات مسبقة أو بنية تحتية مكيفة ومحصنة يضع هؤلاء الجنود في مواجهة مباشرة مع الطبيعة القاسية قبل مواجهة أي عدو مسلح.

جيل بلا خبرة خارجية في مواجهة حرب غير متكافئة

تكمن الخطورة الأكبر في هذه الخطوة في طبيعة العنصر البشري الذي تم الدفع به إلى هذا المسرح المعقد.

فالمؤسسة العسكرية الجزائرية لم تخض أي حرب أو عملية انتشار خارجي منذ أكثر من خمسين عاماً، ما يعني أن القادة الميدانيين والجنود الشباب على حد سواء يفتقرون تماماً لخبرة “الحروب الاستباقية العابرة للحدود” وإدارة خطوط الإمداد الطويلة في أراضٍ أجنبية.

إن الجندي الشاب، الذي اعتاد على روتين الثكنات الداخلية أو الدوريات الحدودية المدعومة بنقاط إسناد قريبة، يجد نفسه فجأة في عمق جغرافي غريب، محاطاً ببيئة معادية ومعقدة تتشابك فيها حركات التمرد المسلحة، وتنظيمات إرهابية متمرسة في حرب العصابات، وشبكات تهريب عابرة للحدود. هذا الانتقال المفاجئ لجنود عديمي الخبرة القتالية الخارجية يحول المهمة من عملية تأمين استراتيجي إلى مغامرة غير محسوبة العواقب.

استنزاف المعنويات: المعركة الخفية التي تُحسم قبل إطلاق النار

في العلوم العسكرية الحديثة، تُعتبر الروح المعنوية والجاهزية النفسية للجندي السلاح الأول لحسم أي معركة.

وعندما يبدأ الجندي الشاب مهمته الخارجية وهو يعاني من الإرهاق البدني، وغياب المرافق الصحية والمعيشية اللائقة، وشح الإمدادات، فإن أول ما يتسلل إلى نفسه هو الشعور بالاغتراب والإهمال.

تتضاعف هذه الأزمة النفسية حين يدرك الجنود أنهم يتمركزون في قلاع صحراوية معزولة سبق أن انسحبت منها جيوش غربية (مثل القوات الفرنسية) رغم امتلاكها لأحدث الترسانات الجوية واللوجستية والاستخباراتية، بعد أن أدركت استحالة السيطرة الكاملة على تلك الجغرافيا المفتوحة.

إن شعور الجندي البسيط بأنه مجرد أداة لتنفيذ أجندات سياسية متسرعة، أو لحماية مصالح اقتصادية في ظروف تشبه “الجحيم الأرضي”، كفيل بتحطيم معنوياته وجعله في حالة دفاع نفسي دائم، بدلاً من القدرة على المبادرة القتالية.

إن القوة العسكرية لأي دولة لا تُقاس بحجم الميزانيات الدفاعية أو بالتصويت البرلماني السريع، بل بمدى احترامها لحياة جنودها وتوفيرها لأقصى درجات الحماية الميدانية واللوجستية لهم قبل إرسالهم إلى خطوط النار. وما لم تتدارك القيادات العسكرية هذا الوضع الكارثي، فإن إبقاء جنود شباب بلا خبرة في ظروف معيشية مزرية داخل عمق صحراء النيجر لن يكون سوى استنزاف مجاني لطاقات شبابية تدفع ثمن قرارات سياسية لم تُحسب تكلفتها البشرية بدقة.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *