حِينَ يُنْطَقُ بِالتَّارِيخِ: أُطْرُوحَةُ “صِنَاعَةِ الْجَزَائِرِ” بَيْنَ السَّرْدِيَّاتِ الِاسْتِعْمَارِيَّةِ وَوَثَائِقِ تَقْرِيرِ الْمَصِيرِ… الْجَزَائِرُ مِنْ مُقَاطَعَةٍ فَرَنْسِيَّةٍ بِشَهَادَاتِ دِيغُولَ وَالْوَثَائِقِ التَّارِيخِيَّةِ

حِينَ يُنْطَقُ بِالتَّارِيخِ: أُطْرُوحَةُ “صِنَاعَةِ الْجَزَائِرِ” بَيْنَ السَّرْدِيَّاتِ الِاسْتِعْمَارِيَّةِ وَوَثَائِقِ تَقْرِيرِ الْمَصِيرِ… الْجَزَائِرُ مِنْ مُقَاطَعَةٍ فَرَنْسِيَّةٍ بِشَهَادَاتِ دِيغُولَ وَالْوَثَائِقِ التَّارِيخِيَّةِ

عبدالقادر كتـــرة

يعود أصل هذا الطرح إلى الخطاب الشهير للرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول بتاريخ 16 سبتمبر 1959 بشأن تقرير مصير الجزائر، حيث قال فيه بالحرف:”منذ فجر التاريخ، لم تكن هناك وحدة جزائرية، ولا سيادة، ولا أمة، ولا شعب” (أو كما جاء في صيغ متقاربة: لم تكن هناك دولة أو أمة جزائرية قائمة قبل الاستعمار).

استند ديغول في خطابه إلى أن المنطقة شهدت عبر التاريخ تعاقب حضارات وإمبراطوريات مختلفة (قرطاجيون، رومانيون، وندان، بيزنطيون، عرب، عثمانيون) ولم تكن هناك كيانات سياسية مركزية متصلة تحمل اسم “الجزائر” بالشكل المتعارف عليه للدول الحديثة قبل أن تقوم فرنسا بجمع وتحديد رقعتها الجغرافية الإدارية الحالية.

إشكالية التاريخ والهوية

يشهد النقاش الدائر في الأوساط السياسية والإعلامية الغربية، ولا سيما الفرنسية منها، عودة مستمرة لإثارة ملف الإرث التاريخي والجغرافي للجزائر.

وغالباً ما تتجدد السجالات حول طبيعة الكيان الجزائري قبل العام 1830، مستندة إلى طروحات يتبناها سياسيون وباحثون تشير إلى أن البنية الإدارية والسياسية للجزائر المعاصرة تشكلت نتيجة المخاض الاستعماري.

هذا النقاش، الذي يتجدد في البرامج الحوارية والمنصات الرقمية، يفتح الباب واسعاً أمام قراءة التاريخ من زوايا متعددة تتعلق بمفهوم الدولة، ووثائق الانتقال السياسي، والاعترافات الرسمية للشخصيات الفرنسية البارزة.

شهادة شارل ديغول: جذور الأطروحة السياسية

تعود البذور الأولى لهذا الطرح في الخطاب السياسي الفرنسي الحديث إلى الرئيس الأسبق شارل ديغول، ولا سيما في خطابه الشهير بتاريخ 16 شتنبر 1959 حول تقرير المصير للجزائر.

فقد ذهب ديغول في أدبياته السياسية إلى أن المنطقة لم تشهد قبل التدخل الفرنسي كياناً سياسياً مركزياً موحداً بالمعطى الحديث للدولة الوطنية الأمة، مصرحاً بأن التاريخ لم يعرف قبل ذلك “وحدة جزائرية ولا سيادة ولا أمة”. وقد اتخذ المؤيدون لهذا الطرح من هذا الموقف منطلقاً للقول بأن الحدود الحالية للجزائر، بمؤسساتها وهياكلها الإدارية، هي نتاج لجهود الإدارة الفرنسية التي دمجت أقاليم وقبائل وإيالات متعددة تحت سقف إداري واحد.

من “المقاطعة” إلى تقرير المصير: إشكاليات الوثائق

تستند الأطروحة المثارة في النقاشات الإعلامية أيضاً إلى طبيعة التكييف القانوني للجزائر خلال الفترة الاستعمارية؛ حيث لم تُعامل الجزائر قانونياً كبلد محتل ومستعمر تقليدي فحسب (مثل الحماية في دول أخرى)، بل أُدمجت أجزاء واسعة منها لتصبح مقاطعات فرنسية ابتداءً من أربعينيات القرن التاسع عشر، ولا سيما في عهد الجمهورية الثالثة.

وبناءً على هذا التكييف القانوني، يجادل بعض المحللين في الطرح الفرنسي بأن الخروج الفرنسي لم يأتِ عبر “معاهدة استقلال تقليدية” بين دولتين تملكان سيادتين متساويتين مسبقاً، بل جاء نتيجة استفتاء لتقرير المصير جرى في يوليو 1962 بناءً على اتفاقيات “إيفيان”، وهو ما تفسره تلك الأطراف بأنه مسار تأسيسي لإنشاء الدولة الجزائرية الحديثة بالمعنى القانوني الدولي المعاصر، وليس استعادة لدولة سابقة بالمواصفات الفيستفالية الحديثة.

قراءة نقدية وتداعيات مستمرة

في المقابل، يرى المؤرخون الموضوعيون أن محاولة اختزال التاريخ الجزائري في “الصناعة الاستعمارية” تتجاهل بعمودية العمق الحضاري والتاريخي لمنطقة شمال إفريقيا، وما شهدته من دول وإمبراطوريات محلية متعاقبة (كالزيانيين والرستميين والحفصيين)، فضلاً عن الهوية الثقافية والدينية الراسخة لسكان المنطقة بغض النظر عن الأشكال الإدارية للدولة.

إن إثارة هذه الطروحات مراراً وتكراراً تعكس مدى تعقيد الذاكرة الجماعية بين البلدين، وتأثيراتها المباشرة على العلاقات الدبلوماسية والسياسية الراهنة.

فبينما يتمسك الطرف الجزائري بشرعية ثورة التحرير الكبرى وامتلاك السيادة الكاملة المستمدة من التضحيات الجسام، تستمر النخب المعارضة أو اليمينية في فرنسا في استخدام هذه الأوراق التاريخية والنقاشات الأكاديمية والإعلامية لإبقاء ملف الذاكرة مفتوحاً وغير متصالح عليه.

ختاما، يبقى الجدل حول أصول الدولة الجزائرية وطبيعة انتقالها السياسي مرآة لتركة استعمارية ثقيلة لم تُطو صفحتها بعد. وسيبقى التاريخ حكراً على القراءة الموضوعية التي تميز بين التطور التاريخي الطبيعي للشعوب والمؤسسات الإدارية التي أفرزتها الحقبة الاستعمارية الحديثة.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *