فِيتُو الْكِرِمْلِينْ فِي وَجْهِ الْمُنَاوَرَاتِ الْجَزَائِرِيَّةِ: مُوسْكُو تُغْلِقُ أَبْوَابَ قِمَّتِهَا الْأَفْرِيقِيَّةِ أَمَامَ “الْبُولِيسَارْيُو”… بَرَاغمَاتِيَّةُ رُوسْيَا تُحْبِطُ رِهَانَاتِ الْجَزَائِرِ وَتَنْتَصِرُ لِمَكَانَةِ الْمَغْرِبِ الْإِسْتْرَاتِيجِيَّةِ
عبدالقادر كتـــرة
لم يكن الرفض الروسي القاطع لطلب الجزائر السماح لعناصر جبهة “البوليساريو” بحضور القمة الروسية-الأفريقية في موسكو مجرد إجراء تنظيمي عابر، بل شكل حدثاً دبلوماسياً بارزاً يحمل في طياته رسائل جيوسياسية عميقة.
فقد أرادت الدبلوماسية الجزائرية تحويل هذا المحفل الدولي الهام إلى ساحة لتصفية حساباتها الإقليمية مع المملكة المغربية، غير أن الرد الحاسم القادم من الكرملين أعاد الأمور إلى نصابها، مؤكداً أن القوى العظمى تدير علاقاتها الدولية بمنطق الدولة والشرعية الأممية والمصالح الاستراتيجية، لا بمنطق الشعارات الإيديولوجية والكيانات الموازية.
1. معيار الشرعية الدولية: حماية المحافل الكبرى من التسييس
أدركت موسكو منذ البداية أن نجاح قممها الأفريقية يرتهن بإبقائها منصة للتعاون الاقتصادي والشراكة التنموية بين روسيا والدول الأفريقية ذات السيادة والمعترف بها داخل منظمة الأمم المتحدة.
ومن هذا المنطلق، اعتمدت الخارجية الروسية قاعدة صارمة تقضي بتوجيه الدعوات حصراً للدول الأعضاء في الأمم المتحدة، قاطعةً الطريق أمام أي محاولة لتسلل كيانات غير معترف بها دولياً.
هذا الموقف الروسي يعكس وعياً عميقاً بأن السماح بحضور جبهة انفصالية لا تملك أي مقومات السيادة القانونية أو التمثيلية الفعلية، سيفرغ القمة من محتواها الاستراتيجي، ويحولها إلى منبر للمشاحنات السياسية التي ترفضها غالبية الدول الأفريقية الساعية إلى بناء شراكات اقتصادية حقيقية مع موسكو.
2. سقوط وهم “الورقة الروسية” في الحسابات الجزائرية
لطالما روّج النظام الجزائري، في خطابه الداخلي والخارجي، لقدرته على توظيف علاقاته التقليدية وصفقات التسلح مع روسيا كأداة ضغط دبلوماسية لانتزاع مواقف معادية للوحدة الترابية للمغرب أو فرض حضور “البوليساريو” في الفعاليات الروسية. غير أن ما حدث في كواليس التحضير للقمة الروسية-الأفريقية أسقط هذا الرهان بالكامل.
لقد اصطدمت الضغوط والمساعي الجزائرية بجدار البراغماتية الروسية؛ فموسكو تفصل بشكل صارم بين علاقاتها التجارية والعسكرية مع الجزائر، وبين التزاماتها كدولة دائمة العضوية في مجلس الأمن تدرك جيداً حساسية ملف الصحراء المغربية.
وبذلك، أثبت القرار الروسي أن عهد استغلال اصطفافات الحرب الباردة قد ولى، وأن موسكو ترفض بشكل مطلق أن تُستعمل دبلوماسيتها كأداة لتلميع أطروحات انفصالية مرفوضة دولياً.
3. الرباط في ميزان الكرملين: خط أحمر تفرضه المصالح الاستراتيجية
على الضفة الأخرى، يكشف هذا الرفض الروسي حجم التقدير الذي تحظى به المملكة المغربية لدى صانع القرار في موسكو. فالعلاقات المغربية-الروسية، المؤطرة باتفاقية الشراكة الاستراتيجية المعمقة، تمثل بالنسبة لروسيا ركيزة أساسية في سياستها نحو شمال أفريقيا والقارة السمراء ككل.
وتعلم موسكو أن إغضاب الرباط أو المساس بمصالحها الحيوية والسيادية هو خط أحمر يهدد شبكة واسعة من المصالح المشتركة؛ فالمغرب ليس فقط شريكاً تجارياً رئيسياً لروسيا في القارة، بل هو فاعل محوري في الأمن الغذائي والطاقي، وقطب للاستقرار الأمني والاقتصادي في غرب المتوسط والمحيط الأطلسي. هذا الثقل الميداني للرباط جعل الدبلوماسية الروسية تنتصر للواقعية السياسية، وتفضل الحفاظ على علاقات وثيقة وموثوقة مع دولة عريقة ومؤثرة كالمغرب، بدل المجازفة بها إرضاءً لمناورات جزائرية لا تقدم أي قيمة مضافة للاستقرار الإقليمي.
4. تكريس العزلة الدولية وتهاوي أطروحة الانفصال
لا يمكن قراءة الإقصاء الروسي للبوليساريو بمعزل عن السياق الدولي العام؛ فهو يشكل حلقة جديدة في سلسلة من الانكسارات الدبلوماسية المتتالية التي مني بها خصوم الوحدة الترابية للمغرب في كبرى المنتديات الدولية. فمن قمم “تيكاد” (اليابان-أفريقيا)، إلى منتدى التعاون الصيني-الأفريقي (فوكاك)، والقمم الأمريكية-الأفريقية، والأوروبية-الأفريقية، وصولاً إلى موسكو، تتوحد مقاربة القوى الكبرى حول حقيقة واحدة: لا اعتراف ولا مكان للكيانات الوهمية في معادلة الشراكات الدولية.
إن إغلاق أبواب موسكو في وجه البوليساريو، رغم كل الثقل الذي ألقت به الجزائر في هذه المعركة الدبلوماسية، يضع القيادة الجزائرية وصنيعتها أمام مرآة عزلتهم الخانقة، ويؤكد أن المجتمع الدولي قد طوى صفحة الأوهام الانفصالية، متجهاً نحو تكريس الحلول الواقعية التي يمثلها المغرب كدولة مسؤولة، صاحبة سيادة، وشريك استراتيجي لا غنى عنه في بناء مستقبل القارة الأفريقية.

