عَبْدُ الْفَتَّاحِ الْمَغْرِبِيُّ” أَوَّلُ رَئِيسٍ لِلسُّودَانِ… حِكَايَةُ الْجُذُورِ الْمَغْرِبِيَّةِ الَّتِي حَكَمَتِ السُّودَانَ وَعَلَّمَتْهُ الْقُرْآنَ…مِنْ جُيُوشِ الْمُرَابِطِينَ فِي النِّيلِ وَالصَّحْرَاءِ الْكُبْرَى إِلَى رِئَاسَةِ السُّودَانِ
عبدالقادر كتـــرة
– من جامع القرويين إلى قصر الخرطوم.. القصة الكاملة للمغربي الذي أصبح أول رئيس للسودان!
– بالعلم والفتوحات لا بالسيف وحده.. كيف صاغ المغاربة هوية السودان وإفريقيا؟
-الجسور الذهبية بين فاس والخرطوم: قراءة في الفتوحات المغربية والإشعاع الحضاري ببلاد السودان.
– الحضور المغربي في وادي النيل والصحراء الكبرى: من جيوش المرابطين والسعديين إلى رئاسة الجمهورية السودانية.
– ذاكرة القوافل والزوايا: كيف رسّخ المغاربة المذهب المالكي والهوية الثقافية في بلاد السودان؟
– من فاس ومراكش إلى ضفاف النيل: قصة الفتوحات المغربية والرجل المغربي الذي أصبح أول رئيس للسودان
مفارقة تاريخية تدهش الكثيرين
قد يبدو مفاجئاً للقارئ المعاصر أن يعلم أن أول رجل جلس على كرسي الرئاسة في جمهورية السودان غداة استقلالها في الأول من يناير عام 1956م، لم يكن سوى حفيدٍ من أحفاد المغاربة الذين شدوا الرحال من أقصى الغرب الإسلامي ليستقروا على ضفاف النيل؛ إنه الدكتور عبد الفتاح محمد المغربي (1898–1985م)، رئيس مجلس السيادة السوداني الأول.
غير أن وصول رجل يحمل لقب “المغربي” ويعتز بأصوله المغربية الخالصة إلى قمة هرم السلطة في الخرطوم، لم يكن مجرد مصادفة عابرة في التاريخ الحديث، بل كان الثمرة الطبيعية لقرون طويلة من الفتوحات العسكرية، والهجرات العلمية، والإشعاع الروحي الذي قاده المغاربة في عمق القارة الإفريقية وبلاد السودان بشقيه الغربي والشرقي.
أولاً: فتوحات السيف والدولة.. حين وحّد المغاربة الغرب الإسلامي بإفريقيا
عندما تذكر المصادر التاريخية الكلاسيكية مصطلح “بلاد السودان”، فإنها تعني ذلك الحزام الإفريقي العظيم الممتد من المحيط الأطلسي غرباً إلى البحر الأحمر وهضبة الحبشة شرقاً. وفي هذا الفضاء الشاسع، لم يكن المغرب يوماً معزولاً وراء كثبان الصحراء الكبرى، بل كان الفاعل السياسي والحضاري الأول عبر محطتين تاريخيتين مفصليتين:
– الملحمة المرابطية (القرن 11 الميلادي): انطلقت طلائع دولة المرابطين بقيادة أبي بكر بن عمر اللمتوني ويوسف بن تاشفين نحو تخوم الصحراء الكبرى وحوض نهري السنغال والنيجر. وفي عام 1076م (469 هـ)، نجح المغاربة في كسر شوكة إمبراطورية غانا الوثنية، مما فتح الباب أمام اعتناق ملايين الأفارقة للإسلام طواعية.
وبفضل هذا الفتح المغربي، قامت إمبراطوريات إسلامية إفريقية كبرى مثل إمبراطورية مالي وإمبراطورية صنغاي، والتي اعتمدت الفقه المالكي المغربي، والخط المغربي، ونظام الحسبة والقضاء المعمول به في فاس ومراكش.
1- الفتح السعدي وباشوية تمبكتو (القرن 16 الميلادي): في عام 1591م، اتخذ السلطان المغربي أحمد المنصور الذهبي السعدي قراراً استراتيجياً بتوحيد طرق التجارة والذهب وحماية العمق الإفريقي، فسيّر جيشاً مغربياً نظامياً بقيادة القائد جودر باشا عبر الصحراء الكبرى.
2-أسفرت هذه الحملة عن تأسيس “باشوية تمبكتو” المغربية، ليمتد نفوذ الدولة المغربية من البحر الأبيض المتوسط شمالاً إلى منحنى نهر النيجر وتخوم بحيرة تشاد ودارفور جنوباً وشرقاً. وتحولت حواضر مثل تمبكتو وجني وغاوا إلى منارات علمية يديرها قضاة وعلماء يتواصلون مباشرة مع جامع القرويين بفاس، وترك الجيش والإداريون المغاربة هناك سلالة عُرفت تاريخياً بـ “الرماة” (الأرما) الذين حكموا المنطقة لقرون.
ثانياً: الفتح الروحي والعلمي في السودان النيلي (جمهورية السودان)
إذا كان المغاربة قد دخلوا غرب ووسط إفريقيا بجيوش الدولة وأنظمتها الإدارية، فإن دخولهم إلى السودان الشرقي (جمهورية السودان الحالية) كان فتحاً من نوع آخر؛ إنه فتح العلماء، والقضاة، والمتصوفة، والتجار.
مع قيام الممالك الإسلامية في السودان النيلي، وعلى رأسها سلطنة الفونج (السلطنة الزرقاء) في سنار (1504م) وسلطنة دارفور، تدفقت الهجرات المغربية عبر “درب الحج الإفريقي” وطرق القوافل الصحراوية.
وكان المغاربة يمرون بالسودان في طريقهم إلى الديار المقدسة بالحجاز، فاستقر المئات من علمائهم وتجارهم على ضفاف النيل في دنقلا، وأم درمان، وسنار، والأبيض.
وقد وثّق المؤرخ السوداني الشهير محمد النور بن ضيف الله في كتابه المرجعي “الطبقات في خصوص الأولياء والصالحين والعلماء والشعراء في السودان” الدور التأسيسي للمغاربة، والذي يتجلى في أربعة مظاهر كبرى:
– تأسيس القضاء ونشر المذهب المالكي: كان العلماء المغاربة الوافدون من فاس ومراكش وسلا وتافيلالت هم العمود الفقري للجهاز القضائي والتشريعي في سلطنات السودان.
هم من أدخلوا تدريس “مختصر خليل” و”رسالة ابن أبي زيد القيرواني”، وبفضلهم أصبح المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية هما السائدان في السودان إلى اليوم.
– خلاوي القرآن والقراءات: أسس الفقهاء المغاربة ما يُعرف في السودان بـ “الخلاوي” (الكتاتيب القرآنية)، وعلموا أهل السودان رسم القرآن الكريم بالخط المغربي، ونشروا القراءات القرآنية المتواترة (خاصة روايتي ورش عن نافع والدوري عن أبي عمرو)، بل إن اللوح الخشبي والدواية المستخدمين في خلاوي السودان هما نسخة طبق الأصل من ألواح المحاضر والكتاتيب المغربية.
– الطرق الصوفية والزوايا: شيد المغاربة شبكات من الزوايا الصوفية (كالشاذلية، والقادرية، والتيجانية، ثم الطريقة الإدريسية والختمية اللتين تعودان لجذور العالم المغربي الفاسي السيد أحمد بن إدريس).
لم تكن هذه الزوايا مجرد أماكن للعبادة، بل كانت مدارس لتعليم اللغة العربية، ومحاكم لفض النزاعات، ومراكز للتكافل الاجتماعي.
– الموروث الثقافي واللباس: حمل التجار والحرفيون المغاربة معهم فنون العمارة، وصياغة الذهب، ودباغة الجلود، وأثروا في المطبخ السوداني، بل وحتى في الزي الوطني؛ فالجلابية والعمامة السودانية، وثوب المرأة، والنعال الجلدية (المركوب)، كلها تحمل بصمات وتأثيرات مغربية واضحة امتزجت بالبيئة المحلية.
ثالثاً: عبد الفتاح المغربي.. تتويج قرون من الانصهار الحضاري
في ظل هذا الحضور العلمي والاجتماعي المرموق، برزت في السودان عائلات عريقة تحمل ألقاباً تشير صراحة إلى جذورها المغربية مثل عائلات: المغربي، الفاسي، السلاوي، المراكشي، والتملي.
ومن قلب هذا النسيج، وُلد عبد الفتاح محمد المغربي عام 1898م لأسرة مغربية الجذور استقرت بشمال السودان؛ حيث كان والده محمد مصطفى المغربي كبير كُتّاب ولاية دنقلا في عهد الدولة المهدية.
تلقى عبد الفتاح تعليمه العالي في الجامعة الأمريكية ببيروت وحصل على الدكتوراه في الرياضيات، ثم عاد ليعمل أستاذاً في كلية غوردون التذكارية بالخرطوم، ليكون من أوائل الأكاديميين السودانيين في العصر الحديث.
بفضل مكانته العلمية ووطنيته الصادقة، اختير عضواً في الجمعية التشريعية عام 1951م، وعندما دقت ساعة الاستقلال في مطلع عام 1956م، أجمعت القوى الوطنية السودانية على اختياره رئيساً لـ “مجلس السيادة الأول” (الهيئة الرئاسية العليا للدولة)، ليدخل التاريخ كأول رئيس لجمهورية السودان المستقلة، وليكون شاهداً حياً على عمق الروابط الدموية والروحية بين المغرب والسودان.
خاتمة: تاريخ مشترك يستشرف المستقبل
إن استحضار سيرة الرئيس عبد الفتاح المغربي، واسترجاع فصول الفتوحات المغربية العسكرية والروحية في بلاد السودان وإفريقيا، ليس مجرد حنين إلى ماضٍ مجيد؛ بل هو تذكير بحقيقة جيوسياسية وثقافية راسخة: إن عمق المغرب هو إفريقيا، وإن علاقة الرباط بالخرطوم وسائر عواصم الساحل والصحراء ليست علاقات دبلوماسية طارئة، بل هي امتداد عضوي صنعته قوافل العلم، ومصاحف العلماء، ودماء الأجداد التي وحدت بين ضفتي الصحراء الكبرى على مدى ألف عام.
فيديو للمشاهدة
https://youtu
.be/nxTSrM_-cCM?si=mAU5kzyiu5za22-g

