مِنَ “الْقَفْطَانِ” وَ”الزَّلِيجِ” إِلَى “التَّبُورِيدَةِ”.. هَوَسُ الِاسْتِنْسَاخِ الثَّقَافِيِّ وَمَأْزِقُ الْهُوِيَّةِ بِالْجَزَائِرِ…. حِينَ يَفْضَحُ الْأَرْشِيفُ سِيَاسَةَ مُحَاوَلَاتِ السَّطْوِ عَلَى التُّرَاثِ الْمَغْرِبِيِّ
عبدالقادر كتـــرة
أعلنت وزارة الثقافة والفنون الجزائرية رسمياً عن تأسيس “المهرجان الثقافي الوطني للفروسية التقليدية”، وذلك بهدف تثمين ممارسات الفروسية وصون التراث اللامادي.
ومع ذلك، تثير هذه الخطوة نقاشاً واسعاً حول الهوية الثقافية والتصنيف الدولي لهذه الرياضة التراثية:
– التسجيل الدولي باسم المغرب: تظل “التبوريدة” مسجلة رسمياً وحصرياً باسم المملكة المغربية في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية لدى منظمة اليونسكو منذ دجنبر 2021. وقد وصفتها المنظمة بأنها عرض فروسية مغربي يعود إلى القرن السادس عشر، ويمثل التقاليد العربية والأمازيغية الأصيلة.
– تغيير المسميات: تفادياً للاصطدام بالملكية الفكرية والتراثية المسجلة دولياً لـ “التبوريدة المغربية”، عمد القرار الجزائري إلى اعتماد مسمى “الفروسية التقليدية” كعنوان رسمي للمهرجان المستحدث، على الرغم من استخدام مصطلح “التبوريدة” محلياً وشعبياً في بعض مناطق شمال إفريقيا للإشارة إلى ألعاب الفانتازيا والبارود.
لم يكن إعلان وزارة الثقافة والفنون الجزائرية، مؤخراً، عن تأسيس ما أسمته “المهرجان الثقافي الوطني للفروسية التقليدية” مجرد حدث ثقافي عابر، بل جاء ليمثل حلقة جديدة في مسلسل طويل وممنهج من الهوس الرسمي بكل ما يمت بصلة للهوية التاريخية والتراثية للمملكة المغربية.
خطوةٌ استوقفت المتابعين والباحثين، ليس فقط لتوقيتها، بل لكونها تعكس حالة من الارتباك الهوياتي الذي بات يطبع السياسة الثقافية للجزائر في السنوات الأخيرة، وتحديداً منذ وصول الرئيس عبد المجيد تبون إلى قصر المرادية، حيث انتقل العداء السياسي من أروقة الدبلوماسية إلى محاولة السطو على الذاكرة والتقاليد المغربية الضاربة في القدم.
التحايل بالمسميات هروباً من “فيتو” اليونسكو
يدرك المتتبعون لملفات التراث العالمي أن اختيار مسمى “الفروسية التقليدية” وتجنب لفظ “التبوريدة” لم يكن اعتباطياً؛ فـ”التبوريدة” مسجلة رسمياً وحصرياً باسم المملكة المغربية في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية لدى منظمة “اليونسكو” منذ دجنبر 2021، بوصفها عرضاً فروسياً مغربياً أصيلاً يعود توثيقه إلى القرن السادس عشر، ويجسد الانصهار التاريخي بين التقاليد العربية والأمازيغية.
وأمام استحالة اختراق هذا التحصين القانوني والدولي، عمدت الجهات الرسمية في الجزائر إلى تغيير العنوان مع استنساخ المضمون، في محاولة لتأسيس مهرجان يحاكي في شكله وطقوسه مهرجانات الفروسية المغربية العريقة، ومواسمها الضاربة في التاريخ، ومسابقاتها المؤسساتية الكبرى كـ “معرض الفرس بالجديدة” و”جائزة الحسن الثاني لفنون الفروسية التقليدية” بدار السلام بالرباط، وتقاليد “الكوم” وسباقات الخيل التي رعتها الدولة المغربية عبر قرون.
هوسٌ ممنهج في السنوات الأخيرة: القائمة التي لا تنتهي
إن الاستفاقات المفاجئة لتبني الموروث المغربي لم تقف عند حدود الفروسية والبارود، بل تحولت في السنوات القليلة الماضية إلى ما يشبه “عقيدة رسمية” تحاول خلق تاريخ موازٍ عبر استنساخ عناصر الهوية المغربية الواحد تلو الآخر.
فقد تابع العالم بذهول محاولات السطو المتكررة على القفطان المغربي، والتكشيطة، والمنصورية، مروراً بإقحام نقوش الزليج المغربي (زليج فاس وتطوان) في قمصان رياضية وملفات رسمية، وصولاً إلى ادعاء ملكية الجلابة، والبلغة، والطربوش المغربي، وفن الملحون الذي حسمت اليونسكو مغربيته الخالصة.
بل إن هذا الهوس امتد ليشمل تفاصيل الحياة اليومية للمغاربة وطقوس أعراسهم المتفردة، من “العمارية” و”الطيفور”، إلى فنون الطبخ العريقة كـ البسطيلة، والحريرة، ومختلف أصناف الحلويات المغربية التي خرجت من مطابخ الأسر العريقة في فاس ومراكش والرباط وتطوان وسلا.
عندما تفضح “الشاشة الجزائرية” وأرشيف الأمس رواية اليوم
إن المفارقة الأكثر مدعاة للسخرية في هذا السلوك الرسمي هي اصطدامه الجداري بـ”الأرشيف الجزائري نفسه”.
ففي عصر الرقمنة، لا يمكن للمراسيم الوزارية أن تمحو آلاف الساعات من الفيديوهات المسجلة، والوثائق المكتوبة، والتصريحات المنطوقة والمصورة التي يزخر بها أرشيف التلفزيون الجزائري والإعلام المحلي على مدار عقود ماضية.
فإلى وقت قريب جداً، وقبل أن تُعطى إشارة انطلاق حملة “التبني القسري” في السنوات الأخيرة، كان الإعلام الجزائري، والفنانون، والمؤرخون، وعامة المواطنين في الجزائر يعبرون بكل تلقائية ووضوح عن إعجابهم وعشقهم لهذا التراث بوصفه “تراثاً مغربياً خالصاً”.
لا تزال منصات التواصل الاجتماعي تعج بمقاطع مصورة لبرامج تلفزيونية جزائرية من الثمانينيات والتسعينيات والعقدين الأولين من الألفية، تتحدث فيها المذيعات والمصممات الجزائريات بكل فخر عن استلهامهن من “القفطان المغربي” و”التكشيطة المغربية”، وعن جلب “المعلمين” والصناع التقليديين المغاربة لتزيين البيوت والمساجد بـ “الزليج والجبس المغربي”، وعن استقدام الطباخات المغربيات لإعداد “الحلوى المغربية” و”البسطيلة” في الأفراح، وتقليد “العرس المغربي بالعمارية”. فكيف تحول ما كان يُعرف ويُعشق في الجزائر لعقود طويلة باعتباره “إبداعاً مغربياً مستورداً”، بين ليلة وضحاها، إلى “تراث محلي مسروق”؟
التراث منظومة حياة لا قرارٌ إداري
ما يغفل عنه مهندسو سياسة الاستنساخ الثقافي هو أن التراث اللامادي ليس مجرد قطعة قماش أو طبق طعام أو عرض للخيول يمكن نقله بقرار إداري أو استحداث مهرجان له؛ بل هو “منظومة تاريخية وحضارية متكاملة”.
فالتراث المغربي محميٌ بعمقه التاريخي وبكونه تراثاً حياً لم ينقطع يوماً؛ تحميه حواضر عتيقة ظلت صامدة لقرون، ونظام “الحِرف” و”الأمناء” و”المعلمين” الذين يتوارثون أسرار الصنعة أباً عن جد، ومؤسسات ملكية وشعبية ترعى هذا الموروث وتطوره. وحين يرتدي الفارس المغربي “الجلباب” و”السلهام” ويمتطي فرسه في “التبوريدة”، فإنه يستند إلى سلسلة طويلة من الصناع التقليديين الذين يصنعون السرج المذهب، واللجام، والمكحلة، والبلغة، في دورة اقتصادية وثقافية متكاملة لا يمكن استنساخها بشعارات سياسية.
إن الهروب إلى الأمام عبر محاولة السطو على ذاكرة الجار لن يصنع هوية مفقودة، ولن يطمس حقيقة ساطعة يوثقها التاريخ العالمي وتشهد عليها وثائق اليونسكو والمنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO). بل على العكس تماماً، لم تزد هذه المحاولاتُ التراثَ المغربي إلا إشعاعاً وعالمية، ولم تزد المغاربة إلا تشبثاً بيقظتهم القانونية والثقافية لحماية هويتهم الحضارية التي تظل عصية على التزوير أو الاستنساخ.

