وَاشِنْطُنُ فِي الْعُيُونِ وَالدَّاخِلَةِ: كَيْفَ حَوَّلَتِ الْوِلَايَاتُ الْمُتَّحِدَةُ سِيَادَةَ الْمَغْرِبِ عَلَى صَحْرَائِهِ إِلَى عَقِيدَةٍ مُؤَسَّسَاتِيَّةٍ؟

وَاشِنْطُنُ فِي الْعُيُونِ وَالدَّاخِلَةِ: كَيْفَ حَوَّلَتِ الْوِلَايَاتُ الْمُتَّحِدَةُ سِيَادَةَ الْمَغْرِبِ عَلَى صَحْرَائِهِ إِلَى عَقِيدَةٍ مُؤَسَّسَاتِيَّةٍ؟

عبدالقادر كتـــرة

“أعلنت سفارة الولايات المتحدة الأمريكية في المغرب عن تنظيم خدمات قنصلية متنقلة بمدينة العيون بالصحراء المغربية خلال شهر نونبر في خطوة تندرج ضمن سياق الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على صحرائه وسط ترقب لتفعيل مشروع افتتاح القنصلية الأمريكية بالداخلة…”

حين تتحدث الإدارة بلغة السيادة لم يكن إعلان البعثة الدبلوماسية للولايات المتحدة الأمريكية بالمغرب عن برمجة جولة لتقديم خدمات قنصلية متنقلة لفائدة مواطنيها بمدينة العيون، خلال شهر نونبر، مجرد إجراء إداري روتيني لتقريب الإدارة من الرعايا الأمريكيين. بل جاءت هذه الخطوة لتشكل حلقة جديدة ومحورية في مسار متكامل، ينقل الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على صحرائه — الصادر بموجب المرسوم الرئاسي في ديسمبر 2020 — من مستوى المواقف الدبلوماسية في المحافل الدولية إلى واقع الممارسة الإدارية والقانونية والاقتصادية اليومية فوق تراب الأقاليم الجنوبية للمملكة.

وحدة التراب المغربي في المنظور الإداري الأمريكي

إن قراءة تفاصيل الإعلان القنصلي الأمريكي تكشف عن دلالة سياسية بالغة الأهمية؛ فإدراج مدينة العيون ضمن جدول جولات القنصلية العامة الأمريكية بالدار البيضاء إلى جانب مدن مراكش، وورزازات، ووجدة، يعني أن الإدارة الأمريكية تتعامل مع الخريطة المغربية من طنجة إلى الكويرة كوحدة جغرافية وقانونية لا تتجزأ.

وعندما ينتقل الموظف القنصلي الأمريكي إلى كبرى حواضر الصحراء المغربية لتجديد جوازات السفر، وتوثيق العقود العدلية، وتسجيل المواليد، فإن كل وثيقة رسمية تصدر وتحمل ختم “العيون – المغرب” تتحول إلى حجة قانونية داخل الأرشيف الفيدرالي الأمريكي، مما يرسخ السيادة المغربية في صلب العمل المؤسساتي لواشنطن، ويمهد الطريق نحو التفعيل الكامل لمشروع القنصلية الأمريكية العامة بمدينة الداخلة.

توقيت استراتيجي وحسم في أروقة الأمم المتحدة

لا يمكن للمراقب الحصيف أن يفصل هذا التحرك الميداني عن سياقه الزمني والدبلوماسي؛ إذ يتزامن الإعلان مع حركية شهر أكتوبر داخل مجلس الأمن الدولي لمناقشة قضية الصحراء وتمديد ولاية بعثة “المينورسو”.

وبما أن الولايات المتحدة هي “حاملة القلم” وصائغة مسودات قرارات مجلس الأمن المتعلقة بالملف، فإن حضورها القنصلي في العيون يبعث برسالة لا لبس فيها إلى المجتمع الدولي وإلى أطراف النزاع الإقليمي: واشنطن تجاوزت نهائياً الأطروحات المتقادمة، وتعتبر مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الإطار الوحيد والواقعي للحل.

وهو ما يفسر استمرار ثبات الموقف الأمريكي عبر الإدارات المتعاقبة، باعتباره خياراً استراتيجياً للدولة الأمريكية بمؤسساتها التشريعية والتنفيذية، وليس مجرد قرار ظرفي.

الاقتصاد يقود السياسة: مليارات الدولارات في قلب الصحراء

ما يجعل الموقف الأمريكي في الصحراء المغربية أكثر صلابة واستدامة هو اقترانه بمشاريع اقتصادية واستثمارية عملاقة. فالحاجة إلى خدمات قنصلية في العيون لم تأتِ من فراغ، بل فرضها التوافد المتزايد للخبراء والمهندسين والشركات الأمريكية إلى المنطقة.

لقد رفعت المؤسسات المالية الفيدرالية الأمريكية، وعلى رأسها مؤسسة تمويل التنمية الدولية والوكالة الأمريكية للتجارة والتنمية، كافة القيود عن تمويل المشاريع في الأقاليم الجنوبية، مخصصةً غلافاً استثمارياً يصل سقفه إلى 5 مليارات دولار. وتجسد ذلك ميدانياً في مدينة العيون عبر التمويل الحكومي الأمريكي لدراسات المجمع الصناعي الضخم لتحالف “أورنكس” لإنتاج الهيدروجين والأمونيا الخضراء، باستثمار يناهز 4.5 مليار دولار.

إن انخراط شركات وتكنولوجيا أمريكية بهذا الحجم، وتطلع واشنطن للاستفادة من “المبادرة الملكية الأطلسية” وميناء الداخلة الأطلسي لتأمين سلاسل التوريد والمعادن الاستراتيجية، يؤكد أن الصحراء المغربية تحولت في العقيدة الجيواقتصادية الأمريكية إلى منصة قارية لا غنى عنها لربط الولايات المتحدة بالعمق الأفريقي.

نهاية سردية “المناطق المتنازع عليها” وعزلة الخصوم

على الضفة الأخرى، تشكل هذه الخطوات الأمريكية المتلاحقة ضربة قاصمة لأطروحات جبهة “البوليساريو” ومن يقف وراءها في الجزائر.

فبعد أن راهنت الدبلوماسية الجزائرية لسنوات على إمكانية تراجع واشنطن عن اعترافها، تصطدم اليوم بواقع أشد إيلاماً: القوة العظمى الأولى في العالم لا تكتفي بتأييد المغرب سياسياً، بل ترسل بعثاتها القنصلية وتضخ أموال دافعي الضرائب الأمريكيين في مشاريع مهيكلة بالعيون والداخلة.

كما أن تنظيم مواعيد قنصلية عامة للمواطنين الأمريكيين في العيون ينسف من الأساس الدعاية التي تحاول ترويج وجود “حرب” أو انعدام للأمن في المنطقة؛ فوزارة الخارجية الأمريكية، المعروفة بصرامتها القصوى في معايير سلامة موظفيها ورعاياها، تقدم للعالم شهادة ميدانية بأن الأقاليم الجنوبية للمملكة تنعم بأعلى درجات الاستقرار والأمن والسيادة الإدارية الكاملة.

خاتمة: المستقبل يُكتب في العيون والداخلة

إن ما تشهده الصحراء المغربية من حضور دبلوماسي واستثماري أمريكي غير مسبوق، يتكامل مع مواقف قوى دولية كبرى أخرى كفرنسا وإسبانيا، يعلن رسمياً طي صفحة الماضي.

لقد انتقل المغرب، بفضل رؤيته التنموية والدبلوماسية، من مرحلة الدفاع عن الشرعية التاريخية إلى مرحلة ترسيم السيادة الاقتصادية والمؤسساتية، تاركاً خصوم وحدته الترابية في عزلة دبلوماسية يواجهون فيها حقائق الجغرافيا والتاريخ ومصالح القوى العظمى التي اختارت الرهان على المغرب كشريك موثوق ومستقر.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *