بِأَمْرٍ مِنَ الْحَسَنِ الثَّانِي وَلَمْسَةٍ مِنْ ذَائِقَتِهِ، وُلِدَتْ أَعْظَمُ قَصِيدَةٍ فِي تَارِيخِ الْمَغْرِبِ الْحَدِيثِ “مَنْبِتَ الْأَحْرَارِ”.. الْقِصَّةُ الْخَفِيَّةُ لِمِيلَادِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي وَحَّدَتْ وِجْدَانَ الْمَغَارِبَةِ

بِأَمْرٍ مِنَ الْحَسَنِ الثَّانِي وَلَمْسَةٍ مِنْ ذَائِقَتِهِ، وُلِدَتْ أَعْظَمُ قَصِيدَةٍ فِي تَارِيخِ الْمَغْرِبِ الْحَدِيثِ “مَنْبِتَ الْأَحْرَارِ”.. الْقِصَّةُ الْخَفِيَّةُ لِمِيلَادِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي وَحَّدَتْ وِجْدَانَ الْمَغَارِبَةِ

عبدالقادر كتـــرة

حينما تصدح الحناجر في الملاعب والمدارس والمحافل الدولية بمطلع النشيد الوطني المغربي «مَنْبِتَ الأحْرارْ.. مَشْرِقَ الأنْوارْ»، قلّما يتوقف المرء ليسأل نفسه عن المخاض الإبداعي العسير الذي وُلدت منه هذه الكلمات. إنها ليست مجرد أبيات شعرية رُصّت لتُغنى، بل هي معجزة فنية حقيقية وهندسة صوتية وبلاغية نُحتت في “الوقت بدل الضائع”، لتتحول من معزوفة صامتة إلى دستور وجداني يحفظه الصغير قبل الكبير.

لحنٌ بلا لسان.. ومونديال على الأبواب

منذ بزوغ فجر الاستقلال عام 1956، كان للنشيد الشريف هيبته الموسيقية التي وضع ألحانها “ليو مورغان”، غير أنه ظل طيلة أربعة عشر عاماً لحناً صامتاً تُعزف نوتاته بآلات نحاسية دون أن ترافقه كلمة واحدة.

ومع اقتراب حدث تاريخي تمثّل في تأهل المنتخب الوطني المغربي لكرة القدم إلى نهائيات كأس العالم بالمكسيك عام 1970، طُرح السؤال الحارق في أروقة وزارة الشبيبة والرياضة: كيف سيقف “أسود الأطلس” أمام كاميرات العالم وأفواههم مطبقة بينما تردد المنتخبات الأخرى أناشيدها بحماس؟

وصلت هذه الملاحظة الذكية إلى مسامع الملك الراحل الحسن الثاني طيب الله ثراه، الذي التقط الإشارة فوراً، وأصدر أمره السامي بضرورة إلباس هذا اللحن الشامخ حُلّة من الشعر العربي الفصيح، شريطة ألاّ يُمسّ اللحن الموسيقي الأصلي قيد أنملة.

التحدي المستحيل.. حينما استعصى النغم على الشعراء

أُنيطت مهمة البحث عن شاعر بالمفكر والأكاديمي الدكتور محمد مصطفى القباج (الذي كان يشتغل آنذاك بديوان وزير الشبيبة والرياضة وعضواً فاعلاً في اتحاد كتاب المغرب).

طرق القباج أبواب أربعة من كبار شعراء المملكة واحداً تلو الآخر، لكن الجواب كان دائماً هو الاعتذار.

لم يكن اعتذار الشعراء عن قلة وطنية أو ضعف في القريحة، بل لأن المهمة كانت تسير عكس الطبيعة الشعرية؛ فالعادة جرت أن يكتب الشاعر قصيدته حرةً على بحور الخليل بن أحمد الفراهيدي، ثم يأتي الملحن ليُطوّع الموسيقى لخدمة الكلمات.

أما هنا، فالمطلوب هو “صبّ الكلمات في قالب موسيقي عسكري صارم ومغلق سلفاً”. كان الأمر أشبه بمن يُطلب منه بناء قصر فخم داخل مساحة هندسية محددة بالمليمتر.

الثلاثي الذهبي: الحبابي، أكومي، والصقلي

في لحظة حيرة أمام هذا الباب المسدود، تدخل الفيلسوف والأديب المغربي الكبير محمد عزيز الحبابي ليقترح اسماً لم يكن في الحسبان: الشاعر والأديب الفاسي علي الصقلي الحسيني، نظراً لمرونته العالية في كتابة المسرح الشعري وأناشيد الأطفال.

قَبِل علي الصقلي التحدي بعد تفكير، لكنه اشترط شرطاً ينمّ عن عبقرية استثنائية؛ إذ طلب الاستعانة بصديقه الموسيقار المبدع عبد الوهاب أكومي، لكي يقوم بتفكيك النوتة الموسيقية الغربية وترجمتها إلى تفاعيل إيقاعية عربية (حركات وسكنات) توازي علم العروض.

وبالفعل، انكبّ أكومي على اللحن، وسلّم الصقلي “خريطة إيقاعية” دقيقة لكل جملة موسيقية ولكل وقفة، فكان ذلك المفتاح السحري الذي فكّ الشفرة المستعصية، ليرفض الصقلي لاحقاً تقاضي أي درهم واحد مقابل هذا العمل، معتبراً أن شرف كتابة نشيد الوطن أسمى من كل جزاء مادي.

غوص في جمالية الكلمات وقوة المعنى

حينما نزل الوحي الشعري على علي الصقلي مستنداً إلى تقطيعات أكومي، لم يكتب مجرد نشيد، بل صاغ بياناً للهوية المغربية في أبهى تجلياتها البلاغية:

– «مَنْبِتَ الأحْرارْ.. مَشْرِقَ الأنْوارْ»: استعار الشاعر لفظة “مَنْبِت” من الأرض والطبيعة؛ فالحرية في المغرب ليست فكرة طارئة أو مستوردة، بل هي نبتة أصيلة تضرب جذورها في تراب هذا الوطن.

أما “مشرق الأنوار” ففيها مفارقة بلاغية ساحرة؛ فرغم أن المغرب يقع جغرافياً في “الغرب” (حيث تغرب الشمس)، إلا أنه حضارياً وروحياً وفكرياً “مشرق” تسطع منه أنوار العلم والإيمان والحضارة.

– «مُنْتَدى السُّؤْدَدِ وحِماهْ.. دُمْتَ مُنْتَداهُ وحِماهْ»: “السؤدد” في لسان العرب هو المجد الشامخ والشرف الرفيع والسيادة. لم يجعل الشاعر المغرب مجرد عابر سبيل في تاريخ المجد، بل جعله “منتدى” (مجتمعاً وموطناً يألفه المجد) و”حِمىً” (حصناً منيعاً يحمي هذه السيادة ويدافع عنها)، متبعاً ذلك بدعاء الخلود والأبدية: “دمت منتداه وحماه”.

– «عِشْتَ في الأوطانْ.. للعُلا عُنْوانْ»: ارتقاءٌ بالوطن من مجرد حيز جغرافي إلى “رمز” و”عنوان” تتطلع إليه الأمم حينما تبحث عن معنى العلا والرفعة.

– «مِلْءَ كُلِّ جَنانْ.. ذِكْرى كُلِّ لِسانْ»: هنا تتجلى اللمسة الملكية البليغة؛ فالأصل الذي كتبه الصقلي كان “عِطْرَ كل لسان”، غير أن الملك الراحل الحسن الثاني –بذائقته الأدبية الرفيعة وحسه التواصلي العميق– استبدل كلمة “عِطْر” بكلمة “ذِكْرى”.

– وبهذا التعديل الدقيق، استقام التوازن البلاغي والوجداني للبيت؛ فـ”الجَنان” (وهو القلب) يمتلئ حباً وعشقاً للوطن، و”اللسان” يترجم هذا الحب ذِكراً دائماً وشدواً لا ينقطع، بكلمة سهلة المأخذ، فصيحة المبنى، قريبة من فهم العالم والمتعلم على حد سواء.

– «بالرُّوحِ، بالجَسَدْ.. هَبَّ فَتَاكْ، لَبَّى نِداكْ»: انتقال درامي مهيب من ضمير الغائب إلى الخطاب المباشر للوطن (كأنه كائن حي يُخاطَب). وتقديم “الروح” على “الجسد” فيه دلالة قاطعة على أن الفداء يبدأ بالعقيدة والإيمان القلبي قبل الحركة البدنية، بينما تختزل لفظتا “هَبَّ” و”لَبَّى” أقصى درجات السرعة والجاهزية والامتثال لنداء الوطن دون تردد.

– «في فَمي وفي دَمي.. هَواكَ ثارَ نورْ ونارْ»: ذروة التصوير الشعري في النشيد؛ حيث يتوحد القول بالفعل (الفم الذي ينطق بالحق، والدم الذي يجري في العروق). ويتحول حب الوطن (“هواك”) إلى بركان ثائر يجمع بين المتضادين في جناس بديع: “نور” يهدي الأصدقاء ويبني الحضارة والسلام، و”نار” تحرق المعتدين وتذود عن حياض الحمى.

– «إخْوَتي هَيَّا.. للعُلا سَعْيَا / نُشْهِدِ الدُّنْيا.. أنَّنا هُنا نَحْيا / بشِعارْ: الله، الوَطَن، المَلِك»: ينتقل النشيد في خاتمته من المناجاة الفردية للوطن إلى النداء الجماعي التضامني (“إخوتي هيا”). إنه إعلان وجودي أمام العالم أجمع (“نشهد الدنيا أننا هنا نحيا”)، حياةً لا تقبل الذل أو الانكسار، بل حياةً مشروطة بالسعي الدائم نحو القمة، ومؤطرة بالثلاثية المقدسة التي تشكل صمام أمان الأمة المغربية وعمود خيمتها: الله، الوطن، الملك.

هكذا لم تكن قصيدة «منبت الأحرار» مجرد كلمات وُضعت لسدّ فراغ بروتوكولي في تظاهرة رياضية، بل كانت قدرَ أمةٍ تلاقت فيها إرادة ملك حريص على هيبة وطنه، وفطنة فيلسوف، وعبقرية موسيقار، وقريحة شاعر فذّ، ليمنحوا للمغاربة نشيداً كلما رددوه، شعروا بأن التاريخ كله ينبض في عروقهم.

فيديو للمشاهدة

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *